خاطب المؤمنين مطالبا إياهم بالوفاء بالعقود في صدر كلامه القدسيّ ، ثم أخذ يورد الآيات المشتملة على الأحكام الكثيرة التي كلها عقود وعهود بين الله تعالى وبين عباده لأنه لا يتم إسلامهم وتعبّدهم بهذا الدين العظيم إلّا بالإيفاء بعقوده وعهوده ، وبالقيام بأوامره ونواهيه ، يدلّك على أن الأحكام والأوامر والنواهي عهود وعقود ، قوله تعالى مثلا : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ)؟ فعبادة الشيطان منهيّ عنها بعهد منه سبحانه ، والنهي تحريم ، فهو حكم عبّر عنه بالعهد. ومثل ذلك قوله جلّ وعلا : (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ) ـ (وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ) ـ فالمعهود في هذه الموارد كلها ، أحكام سماها تعالى عهودا ، والعهود هي العقود بمعناها اللغوي والعرفي.
فهو سبحانه بعد أن أمر بالإيفاء بالعقود بدأ بإيراد الأحكام التي سنّها في شرعه المقدس لعباده فقال : (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ) وهذا شروع ببيان عقوده تعالى وأحكامه. والبهيمة ـ لغة ـ كلّ حيوان لا يميز لما في صوته من الإبهام ، أو هي كل ذات أربع. وقد أضيفت إلى الأنعام للبيان كما يقال : ثوب قطن لتمييزه. وقد جاءت اللفظة مفردة بلحاظ الجنس ، والمراد بها الإبل والبقر والغنم ، والذكر والأنثى على السواء. وبهذا الاعتبار قال الله تعالى : (مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) كما في سورة الأنعام مع فرق أوضحه سبحانه في قسمي الغنم اللّذين هما : الضأن والمعز. وقد ألحق بالأنعام الظّباء وبقر الوحش وأمثالهما من البهائم البرّية. ويظهر مما في بعض الأخبار أن المراد بالبهيمة الأجنّة التي تكون في بطون الأنعام ، لا بيان حكم نفس الأنعام الذي يجيء في آيات أخرى وأخبار أخر. ففي الكافي والتهذيب والفقيه والعياشي عن أحدهما عليهماالسلام في تفسيرها : الجنين في بطن أمه إذا أشعر وأوبر فذكاته ذكاة أمه. وزاد في الكافي والقمى : فذلك الذي عنى الله عزوجل به. وفي العياشي عن الباقر عليهالسلام : هي الأجنّة التي في بطون الأنعام. وفيه أيضا عنه عليهالسلام : إن عليا عليهالسلام سئل عن الدب وأكل لحم
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
