الجلية قوله تعالى : (وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ) ، فإنهم إذا كان لهم حصة واجبة كالوارث فلا يتوقف على كونهم حاضرين ، بل تفرز لهم عند تقسيم التركة حصتهم كأيّ وارث آخر. فهذه الأمور خير شاهد وأقواه على ما اخترناه ، عند من له علم بأساليب القرآن واصطلاحاته ، وكان حاذقا بصناعته ... (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) لعل هو الدعاء لهم بالرزق واليسار ، والاعتذار إليهم ، أو يمكن أن يكون المراد بالمعروف هنا القول المشتمل على ما استحسنه الشرع ورجّحه ، وما استحسنه العقل ممّا لا يردّه الشرع ولا يأباه. فهو إذا ضدّ المنكر الذي ينكره الشرع ويقبّحه ، والله العالم.
٩ ـ (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً ...) هذا أمر بأن يخاف الله تعالى ويتّقيه ، كلّ من ترك حين وفاته ذرّية : أولادا ، ضعافا : وهي جمع ضعيف ، الذي ـ بمقتضى عموم إرشاد الآية ـ يدل على أن المراد بالضّعاف ما يعمّ المعتوهين الكبار والنساء الضعيفات والكبار المرضى أمراضا مزمنة تمنعهم من تحصيل مؤونة أنفسهم وعائلتهم ـ أجل ، فليخف من الله من يترك مثل هؤلاء ، وليقدّر لهم نصيبهم من ماله وتركته حين وفاته ، ناظرا إلى عجزهم وسوء حالهم .. والحاصل أن الشريفة ظاهرة في غير ما حملها عليه أكثر المفسرين ، إذ أن شأن نزولها أنهم كانوا إذا حضرت الوفاة الرجل ، جاءه كثير من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله يقعدون عنده ويقولون له : انظر لنفسك فإن أولادك لا يغنون عنك شيئا في الآخرة ، فيحملونه على إنفاق جلّ ماله في سبيل الله تعالى بحيث لا يبقى للورثة شيء. فنزلت الآية الكريمة تخويفا ومنعا لتلك الوصية التي فيها إجحاف بحق الورثة الضّعاف. وهي ـ أيضا ـ تتضمّن الأمر لمن حضر وفاة الرجل لاستماع وصيته بأن لا يحثه على حرمان ورثته ، وأن لا يمنعه من تخليص نفسه من الحقوق الواجبة لله عزوجل ، إذ لو كانوا هم الموصين لأحبّوا أن يحثّهم الشهود على حفظ مالهم لورثتهم ولا يدعوهم عالة على المجتمع. فالأخوة الإسلامية تفرض على الواحد منّا أن يحب لأيتام غيره ما يحبّه لأيتام نفسه ، لا أن يروا لأنفسهم ، ثم يرون لغيرهم شيئا آخر فيضيع
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
