فعلوا ذلك الطرح للعهد المأخوذ عليهم (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) أي أخذوا بكتمانه متاعا دنيئا من حطام الدنيا. والثمن على ما هو الظاهر ، الدراهم والدنانير والرئاسة الدنيوية الزائلة التي اشتروها بالآخرة الباقية ، فكان عملهم كالبيع بلا عوض حيث يظهر سوء حظ البائع ، ويبدو عدم فطنته وعدم استعمال عقله في تقديراته الخاسرة. فإن الخزف الباقي خير من الذهب الفاني ، فكيف تباع الآخرة بالثمن الأوكس؟ ... (فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ) أي ساء وشؤم ما يبتاعونه. وهذا دليل على دناءة الثمن الذي باعوا به الآخرة ، وفيه تعيير لمن باع دينه بدنياه.
وهذه الآية الكريمة وإن كان النظر فيها لعلماء اليهود والنصارى ، إلّا أنه متوجّه لمطلق الروحانيّين ورجال الدين ، ينبّههم سبحانه فيها إلى أخطار كتمان الحق ، وإلى محاذير إساءة استعمال وظائفهم الدينية ، ويلمح إلى ضرورة بيان الحق وعدم الخروج عن خط الوظيفة الدينية مهما كان الثمن ، لأن من حاد عن جادة الصواب في أداء وظيفته كان مصداقا لما جاء في الآية الكريمة ، وما من منجى للروحانيّين وحملة الدين إلّا بإرشاد العالمين إلى صراط الله المستقيم ، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وخصوصا حين يكثر التجاوز عن حدود الشرع. ففي الرواية : إذا كثرت البدع فعلى العالم أن يظهر دينه ، أي أن يعلّم الناس ويردّهم إلى طريق الهداية ، ولذا نهى سبحانه عن كتمان العلم بقوله : (وَلا تَكْتُمُونَهُ) ، أي أنه أمر بالجهر بالحق. كما أن في الرواية عن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم : من كتم علما عن أهله ، ألجم ـ أو ألجمه الله ـ بلجام من نار ...
١٨٨ ـ (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ...) أي : لا تظن هؤلاء الجماعة الذين يعجبون بأعمالهم التي يعملونها سمعة ورياء ، أو تشريعا فاسدا ، يعتبرونه خيرا في الدنيا (وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا) يعني يرغبون بالمدح على أعمال لم تصدر منهم وينتظرون الثناء من الناس على أمور لم يباشروها ولكنهم يصرّحون بعملها ويطلبون المدح
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
