عليها (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ) فلا تظن ـ يا محمد ، لأن الخطاب له (ص) ـ أنهم بمنجاة من العذاب ، أو ببعيدين عن النار كما عن الباقر عليهالسلام بحسب ما جاء في القمي ، بل سيدخلون النار (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) موجع لا يطاق ، يدل عليه هذا التعبير الذي يبيّن أنه في غاية الشدة ، كما يدل على الوعيد لهم بعد أن تمت الحجة عليهم.
أما المفعول الثاني لفعل : تحسبنّ ، فهو محذوف للتهويل ، ولأن يقدّره السامع بما يليق وما يناسب هؤلاء الذين وهن دينهم وضعف يقينهم ، وبحسب ما ذكرنا آنفا في الآيات السابقة. وهذا باب من أبواب البلاغة عند العرب ، وهو كثير في شعرهم ونثرهم ، كما أن أنواع الحذف في القرآن الكريم كثيرة أيضا ، وهو عنوان الفصاحة والبلاغة.
وقيل إن هذه الآية نزلت في اليهود ، إذ سألهم النبيّ (ص) عن شيء في التوراة ـ مع علمه بوجوده فيها ـ فأخبروه بخلاف ما فيها ، وأروه أنهم صدقوا وفرحوا بما عملوه من الكذب والخيانة في جوابه (ص) مع أنه يعلم ذلك ، فسلّاه سبحانه بقوله :
١٨٩ ـ (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...) أي بعد الفراغ ـ والإذعان بأن للعالم صانعا وموجدا هو الله رب العالمين يتفرّع عليه أنه مالك للسماوات وما فيها وللأرض وما فيها ، كما أنه مالك لتدبيرها وتصريف أمورها على ما شاء من وجوه مصالحهما وما تقتضي الحكمة فيهما ، وليس لأحد أن يستشكل عليه فيما يفعل ويعمل. فأمره إذا نافذ في السماوات ومن فيهنّ وفي الأرض ومن فيها ، وهو قادر على إهلاك أولئك الضالّين الكاذبين ... وفي صدر هذه الآية الكريمة تهديد لهم ووعيد ، أكّدهما سبحانه بقوله : (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يستطيع عذابهم وعقابهم بأشد عذاب وأقوى عقاب ، وهو الفعّال لما يشاء ولا يسأل عمّا يريد ويفعل.
* * *
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
