إزهاقها في سبيله حين الجهاد (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي أقسم أنكم ستسمعون من اليهود والنصارى الذين جاءتهم كتب ربّهم قبل زمانكم (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي من منافقي العرب الذين أشركوا مع الله غيره ، لتسمعنّ (أَذىً كَثِيراً) أي ما يؤذيكم ويزعجكم من هجاء النبيّ (ص) والاستهزاء به وبكم ، ومن إيذاء نساء المسلمين ، وحرب أتباع هذا الدين الجديد الذي نسخ أديانهم وسفّه حلومهم ، فانتظروا من هؤلاء المنافقين الطعن في الإسلام ، والصدّ عن الإيمان. وقد أخبر الله سبحانه نبيّه (ص) والمسلمين بذلك قبل حدوثه لئلا يرهقهم حدوثه وقال : (وَإِنْ تَصْبِرُوا) على ذلك الأذى (وَتَتَّقُوا) أي تتجنّبوا المعاصي وتتمسكوا بالطاعة لله دون أن تجزعوا من الآلام والحوادث التي تعترض مسيرتكم في طريق الدين وإعلاء كلمة الله (فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ذلك : تعني الصبر على الأذى ، والتقوى في العمل. والعزم من العزيمة التي لا بد فيها من عقد القلب عليها والجزم الراسخ عليها ، بحيث لا تتزلزل النية ولا تضطرب الإرادة. وعزم الأمور هو عدم الاضطراب من النوازل الشديدة ، والحوادث الفظيعة ، والصبر على ذلك ، والبقاء في حظيرة الطاعة والتقوى ، وهذان أمران لا بدّ فيهما من توفيق الله عزوجل ، لأنهما لا يطاقان إلّا بمعونته.
١٨٧ ـ (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ...) أي : واذكروا أيها المسلمون حينما أخذ الله تعالى ميثاق ـ أي عهد ـ علماء اليهود والنصارى ـ بحسب الظاهر الواضح ـ وكتب عليهم القول المستحكم الذي شدّد في ضرورة الوفاء به : (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) أي أوصاهم ـ بما منحهم من علم ومعرفة ، وبما حصره فيهم من إرشاد وبيان ـ بأن يبّينوا أوصاف محمد (ص) وعلائمه وأنه هو خاتم النبيّين المنتظر من قبلهم (وَلا تَكْتُمُونَهُ) أي : ولا تسترون بيان ذلك وتخفونه ، بل تقرأونه وتذيعونه على الناس. (فَنَبَذُوهُ) أي العهد ، فإنهم ألقوه (وَراءَ ظُهُورِهِمْ) ورفضوه وتناسوه. والنّبذ وراء الظهر كناية بديعة عن الطرح وعدم الاعتناء. فقد
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
