ويكتنزونه ليس لهم في واقع الحال ، لأنهم عمّا قريب يتركونه ويرحلون عنه ، فيرثه من هو وارث ما في السماوات والأرض ، أي جميع ما يترك أهلها بعد موتهم ، إذ يرجع إليه تعالى جميع ما خلّفوا وراءهم. وقد صرّح سبحانه بذلك ليوافق قوله مستوى فهم البشر واصطلاحهم ، وإلّا فهو غنيّ بذاته عن كل ما سواه مطلقا. فما بيد الناس يملكون التصرف الكامل به أثناء حياتهم. وما ينفقونه منه في طريق الحق ، هو الذي يبقى لهم أجره وثوابه ، والله تعالى يملك النفوس والنفيس ممّا في السموات والأرض مطلقا وفي كل حال (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أي عليم بما تفعلونه من إنفاق أو إمساك ، وسيجازيكم طبق عملكم.
١٨١ ـ (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا ..) أي أنه سميع عليم عارف بقول من قال : (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) وهو فنحاص اليهودي ـ كما في الدر المنثور عن ابن عباس ، عن طريق عكرمة ـ قال ذلك لأبي بكر لمّا دخل بيت المدراس على اليهود ، أي حيث كانت تدرس التوراة ـ. وعن ابن عباس أيضا من طريق سعيد بن جبير أن اليهود أتوا رسول الله لمّا أنزل سبحانه : (يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) ، فقالوا : أفقير ربّنا يسأل عباده القرض؟ .. فأنزل الله تعالى هذه الآية المباركة لينبّه إلى أنه أدرك مقالتهم السخيفة وعلمها ، فقال : (سَنَكْتُبُ ما قالُوا) أي نأمر الملائكة الحفظة بإثبات قولهم وتسجيله عليهم لنبرزه لهم يوم القيامة في صحف محفوظة. وهذا وعيد شديد وتهديد لهم بالعقوبة على قولهم ، لأن ما يحفظ ينسى ، ولكنّ ما يكتب يبقى.
ثم إنه تعالى ، لبيان عظيم مقالتهم الجريئة على الله الحق سبحانه ، والاهتمام بشأن هذا القول الوقح ، عقّب بقوله : (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ) فجعل هذا العمل الشنيع قرينا لمقالتهم ، ودليلا على غاية فظاعتها حيث ان قتل النفس أمر عظيم ، وقتل النبيّ أعظم ذنبا عند الله. فهذا القران إيذان بأن الفعلين في العظم سواء ، وأن هذا ليس أول عظيمة اجترحوها ، فإن من لم يبال بقتل الأنبياء فليس بمستبعد منه صدور هذا القول الكافر .. وعن العلا بن بدر أنه (ع) سئل عن نسبة قتل الأنبياء
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
