الكريمة ، حين أعطى ثوبه وما بقي له ثوب يلبسه حين يذهب إلى الصلاة. فقد أمرنا أن لا ننفق كلّ مالنا وأن نقعد في عقر دارنا مكشوفي الحال بين أفراد مجتمعنا.
فمن هذا كله نستكشف أن البخل راجع إلى مقدار خاص أوجبه الله تعالى وألزم المكّلفين بإخراجه لمصالح المجتمع ، ومن لم يخرجه يصدق عليه البخل والإمساك لحقّ ذوي الحقوق. وفي كون الباء للتبعيض في هذه الآية نظائر كثيرة في القرآن الكريم ، نكتفي منها بذكر : وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ، فقد سئل الإمام عليهالسلام : يا ابن رسول الله ، من أين نعرف أن المسح ببعض الرأس؟ قال (ع) : لمكان الباء. يعني أنه تعالى جاء بها لإفادة هذا المعنى ، ولو لا ذلك لاقتضى السياق أن يقال : وامسحوا رؤوسكم.
والحاصل أن البخل بالزكاة ـ أو بغيرها من الإنفاقات المستحبة في الأموال المتمركزة عند بعض الأثرياء ، والتي قد لا يستفيد المجتمع منها ـ سواء في ذلك زكاة المال أو زكاة الأبدان ، ليس فيه خير ، بل هو شر كما مرّ وبينّا ، لأن ما يبخل الإنسان به سيقع طوقا في رقبته يوم القيامة لأنه بخل به في دار الدنيا. ففي الكافي ـ أيضا ـ عن الباقر والصادق عليهماالسلام : ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا ، إلّا جعل الله ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوّقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب. وهذا القول وإن اقتضى تجسيم الأعمال ، غير أنه يؤوّل بأن مانع الزكاة يعذّب عذابا يحسّه كلدغ الحية المؤلم إذا جاز التأويل (وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي أن له كل ما في الملك والملكوت أزلا وأبدا ، فلما ذا يبخلون ببعض ما في أيديهم ، وكلّ ما في أيديهم عارية سيتركونها وراءهم لغيرهم ، وسيتركها غيرهم لغيرهم حتى تصير ميراثا لله وحده. فهم إذا أبخل البخلاء لأنهم بخلوا بما ليس لهم ، وفي الحديث أنه سئل (ع) عن أبخل الناس ، فقال : من بخل بمال الغير فكيف لا يتعقّل الناس ويستشعرون أن هذا الذي يدّخرونه
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
