يعطيه سبحانه بغير سؤال مما يكشف عن رحمته وعظمته وكمال جوده. فضلا عن بسط يده بالإنعام على العباد ، الذي ينحصر بعلوّ وسموّ ذاته المقدسة جلّت قدرته وجلّ كرمه.
وخيرا : نصب بناء على كونه مفعولا ثانيا ليحسبنّ ، والمفعول الأول هو البخل المدلول عليه بجملة يبخلون. وتقدير الكلام : ولا يحسبنّ الّذين يبخلون البخل خيرا. والذين : فاعل بناء على القراءة بالياء كما لا يخفى .. أما بناء على القراءة بالتاء ـ قراءة حمزة ـ فالفاعل هو الذي خوطب بالكلام ، وهو النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والذين : مفعول أول لتحسبنّ في مقام الظاهر ، لكن الواقع أن الكلام ـ في هذه الحالة ـ مبنيّ على حذف وتقدير ، والمعنى : ولا تحسبنّ يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا لهم (بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ) لما في بخلهم من خسّة الطبع ورذيلة الشّح وسوء الظن بالله ، والحرمان من الثواب وخسران فضيلة الطاعة وحسن السماحة يبذل ما يعين على إقامة المجتمع الصالح الذي يوصل إلى كل ذي حقّ حقه. وأي عمل أسوأ ، وأي خصلة أدنى وأرذل وأخس من صفة البخل بمال الله الذي يهبه سبحانه لعباده بغير حساب؟ .. لكنّ الذين يبخلون بذلك (سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) سيجعل الله ما بخلوا به طوقا من نار يلتفّ حول أعناقهم يوم القيامة كما نصت الرواية التي مرت آنفا. ولا يخفى على أهل الدّرية والأدب أن كلمة : بما ، في : بما آتاهم ، تحمل معنى التبعيض ، يعني أن هؤلاء السفهاء يبخلون ببعض ما آتاهم الله ، وهو قدر الصدقة الواجبة. فهذا هو متعلق بخلهم في المال الذي فيه حق. فتصوّر خسّة الإنسان الذي لا ينفق هذا المقدار البسيط من فضل الله الكثير. فالله تعالى لم يطلب منّا إنفاق كامل المال ، ولا سمّانا بخلاء لأننا لم ننفقه كلّه ، بل قصد ذلك الجزء القليل الذي فرضه سبحانه لتزكية المال وتطهيره. ولو كان الأمر غير ذلك لما قال سبحانه : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً). فإنه جلّ وعلا عاتب نبيّه (ص) كما في التفسير ، بهذه الآية
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
