صلىاللهعليهوآله يتأثر ويتأسف عند صدور بعض أعمال قومه وتصرفاتهم أحيانا ، حتى أن التأثر يبدو على قسمات وجهه الشريف ، وتبدو علائمه على وجنتيه وجبينه الكريم ، فقد قال له تعالى تسلية له عن ذلك : ولا يحزنك الذين يستعجلون في اقتحام موارد الضلال ويتّبعون نزغات الغي والهوى تمردا على الله سبحانه ، ثم لا يصغون لدعوتك ولا يهتدون بأمرك. فإنهم ـ بفعلهم هذا ـ يوقعون أنفسهم في الهلكة وتيه الغواية ، ويخرجونها عن الأهلية لألطاف الله ومراحمه مع سعتها وشمولها لجميع ذرّات العوالم ، فلا يحزنك انغماسهم في حمأة الكفر (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً) أي أنهم لن يلحقوا ضررا بدعوة الله سبحانه ولا بك ولا بأولياء الله من جرّاء كفرهم ، بل يضرّون أنفسهم لأن الله تعالى غنيّ عن العالمين ولا يلحق به ولا بكم ضرر كفرهم. أما لفظة شيئا فإنها تفيد العموم لوقوعها في حيّز النفي (يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا) أي نصيبا مما يقسمه بين عباده من الأجر والثواب (فِي الْآخِرَةِ) ويوم الفوز الأكبر والربح الذي ليس بعده خسارة. أما لفظة : يريد ، فإنها إشعار ببلوغ غاية غضب الله عليهم بحيث أراد أن لا يرحمهم لشدة كفرهم ومسارعتهم إلى اقتحام موارد غضبه ، مع أنه أرحم الراحمين ، وإرادته سبحانه لا تتخلّف عن مراده (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) إذ أعدّ لهم أعظم المشاق وأشد الصعاب من مقاساة ما في جهنم من موجع العذاب وقاسي العقاب ، بسبب كفرهم بأعظم نعم الله عليهم وهو أن بعث فيهم خاتم رسله صلىاللهعليهوآله من أنفسهم ، فأية نعمة هي هذه بالنسبة للعشيرة وللبلد وللقومية؟ ..
١٧٧ ـ (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ ..) أي الذين آثروا الكفر على الإيمان واستبدلوه به واختاروه عليه خبثا وعتوّا مع أن الحق واضحة حججه ، والإيمان قائمة دلائله. فهؤلاء (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) كرّرها سبحانه آية بعد آية تأكيدا للمضمون ، ثم زاد أنه هيأ لهم عذابا موجعا صعبا لا تنقضي أيامه ولا تنفد مدته. فإن وبال كفرهم يعود
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
