ومع قطع النظر عن إرسال الرّسل لا بد لنا من ملاحظة أمرين هامين ولو اقتضى ذلك منّا استطرادا وتطويلا ، وهما : الإلهام ، والوحي ، اللذان هما خفيّان عن الآخرين ليس يعرفهما ولا يعلمهما إلّا الملهم والملهم ، والموحي والموحى إليه ... فقد يعمل الإنسان عملا يرتضيه ، وإذا نهي عنه قال : ألهمني إياه ربي. كما أنه إذا فعل إنسان آخر خلاف ما فعله الأول ، ثم سئل عن ذلك ، فقد يقول : بهذا أمرني ربي. فمن ـ يا ترى ـ يكون المميّز والحاكم بأن هذا حق وهذا باطل؟ ... أو هذا صادق وذاك كاذب؟ ... فيلزم من ذلك الهرج والمرج لا محالة ... والنتيجة لغوية التكاليف.
ولو قيل إن الله يجبرهم على طريق الحق ، ويحفظهم عن الباطل. وهذا هو الأمر الثاني من الأمرين ـ وهو الجبر ـ فالجواب أن الجبر خلاف حكمة الاختيار ، والجبر والتفويض كلاهما باطلان مردودان على القائل بهما بمقتضى العقل ، وبمقتضى الروايات المستفيضة في هذا الباب ، وللبحث في ذلك مقام آخر. فلا بد للفصل بين طريق الحق وطريق الباطل من إرشاد البشر ، ومن شخص يكون أعلم وأعرف أهل زمانه بمصالح العباد. والحكمة تقتضي أن يكون هذا الشخص من أهل البلاد التي يبعث فيها نشأة ونموّا وتربية ، وأن يكون معروفا بصدق القول والأمانة والعدالة والطهارة عن كل رجس ودنس ، وأن يكون كريم الأصل ، شريف الحسب والنسب ، حتى لا يتأففّون من قبول قوله واتّباعه في أخذ معالم دينهم الذي يجيء به ويدّعي أنه من عند ربّه ، مع شرائط أخر ستجيء في مكانها ... فإذا وجد مثل هذا الشخص الجامع لشرائط الرسالة والنبوّة ، فعلى الله تعالى أن يرسله إلى المجموع البشري مع كتاب جامع لكل ما يحتاج إليه المجتمع في كل عصر بحسبه وحسب ما يقتضيه ، كما جرى في الأزمنة السابقة لبعثة نبيّنا صلىاللهعليهوآله. أما في عصر خاتم النبيّين فاقتضت الحكمة الإلهية ما دعت إليه المصلحة من بعث رسول جامع لشرائط الدعوة العامّة الأبديّة إلى جميع المكلّفين من الإنس
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
