والجن في جميع أنحاء العالم ، ثم اقتضت الظروف والمصالح أن يبدأ بدعوة عشيرته وقومه ، ثم يشرع بدعوة أهل بلده : أم القرى ، ثم من حولها ، ثم تتسع دائرة الدعوة إلى أن تشمل العالم. وقد جاء الأمر بالدعوة على هذا الترتيب من أجل الكشف عن الاهتمام بشأن عشيرته التي هي سيدة العشائر العربية ، ثم قومه ، ثم أم القرى لأنها أكبر البلاد وأعظمها وأشرفها لأنها قبلة العالم طرّا. فالله تعالى أراد أن يزيد بشرفها ويجعل أهلها أول المتديّنين بأعظم الأديان التي نزلت إلى الأرض ، وهو الإسلام ، ثم شاء أن ينتشر هذا الدّين الكريم السمح منها إلى اصقاع العالم وأنحائه على يد صاحب الشريعة المحمدية صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين ، ثم أراد سبحانه أن تكون انطلاقة هذا الدّين الحنيف من الجزيرة العربية التي هي على خط الاستواء في الأرض ، أي على مستوى من الأرض يقع همزة وصل بين الحواضر والبوادي ، وبين الشرق والغرب ، وبين الشمال والجنوب وإفريقيا والهند وغيرها وغيرها.
والحاصل أن أحسن الطرق لهداية البشر ونجاتهم من مهالك ظلمات الجاهلية وتمييز المصلح من المفسد والمؤمن من غيره ، منحصر بإرسال الأنبياء والرّسل ليدعوا الناس إلى الإيمان بالله تعالى ورسله وكتبه وبشرائعه ، فيتميّز الطيب من الخبيث بالقبول أو عدمه ، وبالعمل أو عدمه بعد القبول بما جاؤا به عليهمالسلام منذ اختار الله تبارك وتعالى هذه الطريقة من بدء الخليقة ، واختياره سبحانه هو الخيرة في الأمور كلّها.
أما وجه اختصاص المؤمنين بهذه النعمة العظيمة من إرسال الرّسل ، فذلك لأنهم هم المنتفعون بها ، وإلّا فالبعثة عامة لكافة العالم من الجنّة والناس أجمعين. فقد منّ تعالى على المؤمنين (إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي من جنسهم ، بعثه لهم أي أرسله منهم باعتبار العربية والقومية ، والنشأة ، بحيث يكونون مطّلعين على أحواله ووجوه كماله وملكاته الرفيعة الفائقة الموجبة لرغبة العامة فيه صلوات الله عليه وآله ، والمقتضية لركون النفوس إليه ، والداعية إلى تصديقه فيما يتحدى به
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
