غير مقطوع. ومنه : المنّة تهدم الصّنيعة أي تقطعها وتجعلها كأن لم تكن ... أما المعنى الثالث للمنّة فهو النعمة ، إذ يقال : امنن عليه ، أي : أنعم عليه وأحسن إليه. والفرق بين امنن وأنعم ، هو الكثرة. فبالكثرة يمتاز المنّ عن الإنعام والإعطاء ، كما أن هناك معاني أخر للمنّ لسنا بصدد ذكرها خوف التطويل.
فالمنّ بمعناه الأول يعدّ قبيحا ومذموما ، بينما هو بمعناه الثالث حسن شرعا وعقلا. والله سبحانه لم يزل ولا يزال محسنا على عباده ومنعما بأجمل نعمائه وأجزل آلائه ، بل هذه هي السنّة التي جرت منه في خلقه من بدء إيجادهم. ومنها نعمة وجودهم ، ورزقهم ، وإيصالهم إلى منتهى ما يليق بهم من مراحل رقيّهم. ومن أعظم نعم الله ومننه على خلقه هو ما وصف به ذاته المقدسة حين قال سبحانه : (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ).
وها هنا يرد سؤال ، وهو : ما الحكمة في إرسال الرّسل؟
والجواب : أن البشر ليسوا ـ بحسب الخلقة ـ على وتيرة واحدة ، بل خلقوا فطرة في بدء الخلقة وبمقتضى الحكمة مختلفي الطبائع والأمزجة. فاقتضت المصلحة البشرية أن يشرع لهم شرع ، وأن توضع لهم تكاليف حتى يكملوا بها بمقتضى كونهم في دار التكامل. فعلى هذا كان مبنيّا مبدأ إرسال الرّسل. ولو لم يرسل لهم الأنبياء لهدايتهم من الضلالة الفطرية والجهالة التكوينية لاختلفوا فيما يصنعون ولضلّوا في عبادتهم ولعاشوا في فوضى من حياتهم. فمن فوضى في المال ، إلى فوضى في النّسل ، إلى فوضى في السلوك والمعاملات ، ومن ثم إلى جاهلية عمياء رعناء لا تفرّق بين بني البشر وبين الحيوانات الكاسرة التي يأكل القويّ منها الضعيف ... فالتكاليف التي نزل بها الرّسل مجعولة لتكامل البشر وتصاعدهم في مدارج الكمال ولرفعهم إلى ما فوق مراتب الملائكة ، فضلا عن إخراجهم من تيه الظّلمة والضلالة إلى ساحة نور الهداية وسبيل الرشاد والحق والحقيقة.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
