وكان هذا القائل عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما كما عن الزبير ابن العوام وابن جريج (قُلْ) يا محمد : (إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) فهو ينصر من يشاء ويخذل من يريد. وربما عجّل بالنصر ، وربما أخره لحكمة ولكن ليس لوعده خلف. والمراد بالأمر في الموضعين هو النصر ، (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ) أي أن المنافقين يخفون الشك والنفاق ولا يظهرونه لك و (يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) أي من الظفر كما وعدنا النبي (ما قُتِلْنا هاهُنا) أي ما قتل أصحابنا ، يقولون ذلك شكا في وعده سبحانه لنبيه (ص) بالاستعلاء على أهل الكفر ، وتكذيبا ف (قُلْ) يا محمد لهم في جواب ذلك : (لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) ومنازلكم (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ) أي لخرج الى القتال المؤمنين الذين فرض عليهم الجهاد صابرين محتسبين. أي لو تخلّفتم عن الجهاد لما تخلّف المؤمنون. وقيل في معناها أيضا : لو كنتم في منازلكم لخرج الذين انتهت آجالهم وقضى الله تعالى بموتهم في ذلك الوقت الى أمكنة مصارعهم. فإن الأمور تصير الى ما علمه الله تعالى لا محالة ، ولكنه لا يلزم العبد إلزاما بالسير الى الجهاد ، إذ لو ألزمه إنسان مثله لفر من الزحف ساعة شاء .. وقد فعل الله تعالى ذلك بكم ليختبر (وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ) ويمتحن نواياكم ويكشف مما في قلوبكم بأعمالكم التي تظهر منكم وتعبّر عن نياتكم ، وهو تعالى يعلم ذلك غيبا ، ولكنه الآن يعلمه شهادة (وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ) أي يخلص ما فيها. وقيل هذا خطاب للمنافقين ، أي يأمركم بالخروج فلا تخرجون فينكشف أمركم للمسلمين وتظهر عداوتكم للدعوة الى الدين فلا يعدّكم المسلمون في جملتهم .. وقيل في معناها أيضا : وليبتلي أولياء الله ما في صدوركم من الشك والنفاق. والتمحيص هو التطهير لما في القلوب ، ولا يكون إلا للمؤمنين دون المنافقين (وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) معناه أنه سبحانه لا يفعل ذلك ليعلم ما في صدوركم فإنه عليم به ، ولكنه ابتلاكم ليكشف أسراركم التي يعلمها فيقع جزاؤه لكم على ما ظهر منكم.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
