بالطاعة والابتعاد عن المعاصي ، وترهيب للمنافقين من إتيان المعاصي وعدم مزاولة الطاعة.
ثم ذكر سبحانه ما أنعم به عليهم بعد ذلك الجو المشحون بالتعب والجهد والكفاح والحزن فقال :
١٥٤ ـ (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً ...) أمنة : أي أمنا أنزله الله تعالى عليكم بعد الخوف والتعب ، وذلك بأن سلّط عليكم (نُعاساً) أي نوما. وهذا بدل اشتمال من : أمنة ، فإن النوم يشتمل على الأمن لأن فيه تعطيلا للحواس وغفلة عما يحيط بالنائم ، وهذا أمر برهانه معه ولا يحتاج الى استدلال من الخارج. ونعاسا فيها تأكيد واضح لأمنة يعني أن النوم أخذهم وكأن الأمن محيط بهم ، كأن ما كان لم يكن ، فعادوا نحو النبي (ص) بعد أن علموا بمكانه فسيطرت عليهم سنة الكرى فصاروا يتساقطون على الأرض ليناموا ولو قليلا فيريحهم الله تعالى مما كانوا قد وقعوا فيه. وقد أصابت هذه الحالة طائفة منهم ، وهم أهل الايمان والإخلاص. أما المنافقون فبقي الخوف مستوليا عليهم وظلّوا ساهرين مرعوبين ولذا قال سبحانه (يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ) يعني المؤمنين ينزل عليهم النوم. والطائفة هي الجماعة وسبب ذلك أن المشركين قالوا للمسلمين سنعود إليكم ونقاتلكم ، فقعد المسلمون في سفح الجبل متهيئين للحرب فغشيهم النوم ـ وجلس المنافقون مرعوبين أزعجهم الخوف من عودة الكفار فطار عنهم النوم. ولذا بين سبحانه ذلك بقوله : (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) أي وجماعة شغلتهم أنفسهم وحملتهم على همّ جديد من الخوف ، ذلك أنهم (يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ، ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ) أي يتوهمون أن الله تعالى لا ينصر رسوله (ص) كظنّهم السابق في الجاهلية وظن غيرهم من الكفار والمشركين والمكذّبين بوعد الله ، ولذلك كانوا (يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) وهذا تفسير ظنهم ، فإنهم كانوا يتساءلون فيما بينهم : هل لنا من النصر نصيب بعد هذه الهزيمة قالوا ذلك تعجبا وإنكارا لأنهم لا يطمعون بالغلبة. وقيل معناه : خرجنا كرها ، ولو كان الأمر إلينا ما خرجنا كما هو المروي عن الحسن.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
