الى سائر الأعضاء فيفسدها ، وهكذا الإنسان الفاسد قد يصير مفسدا لغيره فلا جرم أن يفنيهم ويستأصلهم عضوا عضوا وطائفة طائفة ، حتى يطهّر الأرض منهم. فإمداد المؤمنين ونصرهم يكونان منه تعالى لاستئصال شأفة الكفر وإن كان جل وعلا قادرا على إهلاكهم دفعة واحدة في أقل من طرفة عين ، ولكنه يفعل ذلك مع طرف ليعتبر الطرف الآخر ، ويفني طائفة لتتعظ الطائفة الأخرى وتثوب الى الرشد رحمة منه بالعباد ، وليتذكر اللاحق ما فعل بالسابق. وإن في الامهال أيضا فسحة لرجاء التوبة فيما لو اتفق أن أحتك الكافر بولي من أولياء الله فاختار الهدى على العمى فوفقه الله تعالى للايمان والانابة اليه. كما أنه يحتمل قويا أن لا يهلك الكافرين دفعة واحدة إذ جرت قدرته الكاملة واقتضت حكمته البالغة أن يخرج مؤمنا من صلب كافر ، فيمهل لإجراء مقدوره في الأمور ، وهو أعلم بما يفعل حين يهلك الكافرين (أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ) والكبت هو الاهانة والاذلال وإبقاء الغيظ والحقد في الصدر. وكبته لوجهه : صرعة. والكبت أيضا خزي ، وحمله على كل واحد من هذه المعاني يناسب المقام ، وقد يقال : يكبتهم أي يخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بالهزيمة والهلاك ، فينقلبوا ، أي : يرجعوا بالانقطاع عما أملوا ، بالخيبة والخسران في الدنيا والآخرة ، كمثل ما حدث لهم في موقعة بدر إذ قتل منهم سبعون من صناديدهم وأسر منهم سبعون بطلا من أكابرهم وأخذت منهم الفدية التي هي جزية أرغمت أنوفهم وأذاقتهم الذل والهوان.
١٢٨ ـ (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ..) هذه الجملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فإن قوله سبحانه : (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) عطف على ما قبله. وقد جاء نصب الجملتين بالعطف على ما قبلهما من قوله تعالى : ليقطع طرفا إلخ .. والاعتراض ليس أمرا مبتدعا ، بل هو متعارف ، وإن كان يأتي غير بديع كما في قولهم : علّمتك فافهم وزيدا. وحاصل معنى هذه الآية المعترضة أنه : ليس لك يا رسول الله أن تتصرف في أمر هؤلاء فإن الله هو مالك أمرهم ، فإما أن يهلكهم ويخزيهم ، وإما أن
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
