المهاجرين والأنصار ـ ما عدا الطائفتين ـ اتفقوا على العكس واجتمعت كلمتهم على الخروج ، لأن في الخروج حفظا لهيبة المدينة وصيانة لأهلها. وهذا الخلاف كان سببا لتقاعد الطائفتين وتأخرهما عن الخروج في الزحف لا خوفا من الحرب بحسب الظاهر بل عملا برأيهما ، ولكن النبي صلىاللهعليهوآله قدم قول الأغلبية وخرج بمن خرج معه (وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) فقد قال الله تعالى : أنا ولي الطائفتين وولي تبديد فشلهما وتخذيلهما وناصرهما مع المسلمين. وفي هذا دلالة على أن الله عصمهما عما همتا به. وقوله تعالى : (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) يدل على تشجيع المؤمنين في كل حال كما يتبادر الى الذهن ، ويكون المعنى أن الإنسان المؤمن لا بد وأن يخاف من غيره كما يخاف غيره منه ، ولكن عليه أن لا يخاف وأن يطرح الفشل وراء ظهره وأن لا يتقاعد عن طاعة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأن يكون تمام توكله على الله تعالى ، ولا سيما بعد أن يعلم أن الله هو وليه وناصره في جميع أحواله وفي حرب أعداء الله بصورة خاصة. ويؤيد ما استفدناه من هذه الآية الكريمة ما يعقبها من الآية التالية لها ، وهو قوله جل وعلا :
١٢٣ ـ (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ ..) فإنه سبحانه يذكرهم الحرب في موقعة بدر ، ونصره لهم فيها. وبهذا تذكرة ملازمة لتهييجهم وتحريكهم لحرب المشركين في معركة أحد. بيان ذلك أن النبي صلىاللهعليهوآله قد كان معه يومئذ ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا ، وكان عدد المشركين ألف رجل. فنصر الله المسلمين بثلاثة آلاف من الملائكة ، وتغلب النبي (ص) على أعدائه ببركة ملائكة النصر. وفي هذه الغزوة ـ يوم أحد ـ أخذ يذكرهم بتأييده لهم في بدر ، ويشجعهم ليطمئنوا الى الظفر فيها أيضا مع كون عدتهم قليلة ، ومع كون جيش المشركين في غاية الكثرة من العدد ، لكنهم أين يفرون من جند الله وحزب الله هم الغالبون ، بدليل أنه نصركم (وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) ولفظ : أذلة ، يحتمل فيه قويا أنه من ذل يذل ذلا البعير : أي انقاد وسهل انقياده فهو ذلول ، وجمعه أذلة وذلل. كما أنه يقال : ذلت له
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
