بما دلت عليه كتبهم من أوصاف نبينا والبشارة به ، كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود ، والنجاشي وتابعيه من النصارى (وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ) وهم الخارجون عن طاعة الله. وإنما وصفهم بالفسق دون الكفر الذي هو أعظم ، لأن الكفر الحقيقي لا يتحقق في أهل الكتاب. بيان ذلك أن الكافر هو من أنكر الألوهية والرسالة والكتب النازلة وقال : ما يهلكنا إلّا الدهر ، ويعتبر أن الناس أبناء الطبيعة. وأهل الكتاب ليسوا كذلك ، لأنهم قائلون بالله وبرسالة موسى وعيسى عليهماالسلام ، وهم يقبلون كتابيهما. نعم هم جاحدون لرسالة خاتم النبيين صلىاللهعليهوآله ولكتابه إما لشبهة حصلت عند بعضهم أو لحفظ رئاساتهم فخرجوا عن طريق الحق والصواب وهذا موجب للفسق لأنه معناه ، والكفر هنا ليس معناه ، والله تعالى أعلم بما قال.
١١١ ـ (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ..) أي أنه لا يصل إليكم من أهل الكتاب ضرر في أموالكم ولا أنفسكم ولا يعيبون أعراضكم ولا يشينون نواميسكم ، سوى أذى يلحقكم منهم يصدر عن ألسنتهم كالطعن والوعيد وخلف الوعد وغمزكم باليد ولمزكم بالقول وبسائر ما قد تتأذون منه. وهذا عرفا وعادة ليس ضررا ، ولذا قيل إن الاستثناء منقطع. نعم يمكن أن يقال أن بعض الناس يتأثرون تأثرا شديدا من أذى الكفار ، وهذا شيء لا يعتد به لأنه ليس من الضرر في شيء حتى في حال إطلاق الضرر على الأذى ، فإنه يعتبر ضررا يسيرا لا يعبأ به بحسب العادة.
فمعنى الشريفة أن أهل الكتاب لن يضروكم أبدا في ظهور دينكم أو في جامعتكم والتفافكم وشوكتكم الاسلامية. وفي هذا بشرى عظيمة غيبية تسر قلوب المؤمنين حقا من أهل الإسلام (وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ) أي حين يجاوزون الأذى باللسان الى الاعتداء والقتال والمحاربة ، فإنهم لا يقابلونكم وجها لوجه ، بل ينهزمون أمامكم ويهربون من سطوتكم ولا يضرونكم بقتل ولا بأسر (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) أي لا يعانون عليكم ، ولا يمنعون منكم. وقد كان الأمر كذلك في حروب المسلمين مع الكفار
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
