٥٤ ـ (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ) ... أذكر يا محمّد يوم خاطب موسى قومه قائلا (يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ) أي ارجعوا إلى عبادة خالقكم ، وأقلعوا عن ذنبكم العظيم. والبارئ من برأ : خلق من العدم ، ومنه البريّة أي الخليقة وجمعها البرايا. ولعلّ وجه التعبير بالبارئ بدلا عن الخالق أنه أراد أن يفهمهم بأنهم كانوا معدومين والله هو الذي صيّرهم موجودين ، فلما ذا لا يشكرونه على نعمة الإيجاد. والعجل هو مخلوق ضعيف محتاج إلى غيره مثلكم ، بل هو أضعف منكم ، فأي ترجيح له عليكم حتى تؤثرونه على أنفسكم وتعبدونه. بل الترجيح لكم لأنكم أرباب عقل ومعرفة ونطق ، أفلا تتفكّرون وتتوبون؟ .. فتوبوا (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) إظهارا للتوبة وفرط النّدم. والظاهر أن التائب كان يقتل نفسه إمّا بأن يباشر المرء قتل نفسه ، وإمّا بأن يتقاتل العبدة فيقتل بعضهم بعضا حتى يجيء أمر الله بقبول التوبة فيرفعوا اليد عن المقاتلة بعدها (ذلِكُمْ) أي قتل أنفسكم توبة وندما (خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ) أحسن بنظر خالقكم من بقائكم أياما قليلة في الدنيا تموتون بعدها فتخلّدون في النار. فما أقسى توبة بني إسرائيل إذا قيست بتوبة أمّة محمّد (ص) التي يكفي فيها الصدق في الإقلاع عن الذنب ، والنّدم على الوقوع في المعصية ، والاستغفار والعزم على تركها فيما بعد! فسبحان الله الحليم الكريم الرؤوف الرحيم. فقد قال سبحانه يا بني إسرائيل : إن توبتكم أفضل عند بارئكم من دنس الشّرك وعبادة العجل. وإذ فعلتم ذلك (فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ويحتمل أن تكون هذه الجملة من قول موسى عليهالسلام. والتقدير : ما زلتم قد فعلتم ما أمركم ربكم فقد تاب عليكم. وهذه الجملة المقدرة متفرّعة عن الجملة المذكورة. فإذا قلنا إنها من كلامه تعالى ـ وإن كان سياق ما قبلها يأبى هذا ـ يكون موضعها مبنيّا على الالتفات ، وتكون متعلّقة بمحذوف كأنّه قيل : ففعلتم ما أمرتم به ، فتاب عليكم. وفي
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
