فعلا هو المثل المخالف. فكيف تسمّون أيها المشركون ما تعبدونه أندادا مع زعمكم بأنها تخالفه. فإنكم بترككم لعبادته بعبادتها ، وبتسميتكم لها آلهة قد شابهتموه تعالى بها ، ولذا سمّيتموها أندادا له. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تعرفون أن هذه الأصنام لا تقدر على شيء ، لأنها في واقعها موجودات مثلكم تفتقر إلى الموجد ، بل إنكم تشعرون وتعقلون وتمتازون عنها لأنها جمادات ، فأنتم أولى بالمعبودية منها لو كانت المعبودية جائزة لغير الله سبحانه. والجملة منصوبة على أنها حال من فاعل تجعلوا لله.
٢٣ ـ (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا) : عبده ، تعالى : هو النبي (ص). وقد تحدّاهم بما نزّله عليه من القرآن الكريم ، أولا بقوله : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ). ثم تدرّج وزاد في توبيخهم بقوله : (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ.) ثم عمد إلى استثارة كامن همّتهم وماضي عزيمهم فقال : فأتوا بسورة من مثله! .. وأنّي لهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة من القرآن الذي أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء! .. ولا ينبغي أن ننسى العصر الذي صدر فيه هذا التحدّي ، فإنه عصر بلغت فيه الفصاحة والبلاغة غايتيهما يوم علّق أرباب الفصاحة والبلاغة صحفهم ودواوين شعرهم على الكعبة المكرّمة إعلانا لإنتاج أبلغ ما صاغت قرائح البلغاء من العرب ، وأوسمة بل مداليات عملية عالمية بمعلّقاتهم المختارة. فلما بعث نبيّنا صلوات الله عليه وآله بكتابه الناطق بالحق المنزل من عند ربه عزوجل ، وكان في الفصاحة والبلاغة في مرتبة شامخة فاقت بلاغة العرب ونسخت فصاحتهم بأسرهم ـ لأنه أنسى من قبله وأتعب من بعده ـ لمّا كان ذلك نزعت صحفهم المعلّقة على البيت الحرام ورميت إلى خارجه اعترافا من أربابها ورواتها بأنها دون بلاغة القرآن وفصاحته ، بل وقف يومها جميع فصحاء العرب مكتوفي الأيدي ، ناكسي الرؤوس لا يستطيعون أن يحيروا جوابا على التحدّي ولا
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
