صاحب مجمع البيان بل قال فيه : لا يسألون الناس أصلا ، ونسبته لابن عباس ، وقال : وهو قول الفرّاء والزجاج وأكثر أرباب المعاني.
وقرينة أخرى تناسب المقام وتأبى حمل معنى الإلحاف على الإلحاح ، هي ان أهل الصفة كانوا أجلّ شأنا وأسمى مقاما من ان يسألوا الناس ويظهروا فقرهم. فعصبّيتهم العربية مانعة من ذلك ولو ماتوا من الجوع. وكذلك آباؤهم وانفتهم وتمسّكهم بالعشائرية والقبلية مضافا الى آداب الإسلام وخلق القرآن بل زد على ذلك كله الأب الرحيم للفقراء والمساكين ، اعني محمدا سيد المرسلين صلوات الله عليه وآله فإنه كان على رأسهم ، بل كانوا في ضيافته ، وكان يؤاكلهم ويشاربهم بما قسم الله تعالى في ذلك العهد الشديد الذي كانوا فيه في ضيق وضنك ، وكان الكثيرون ممّن سواهم في شظف عيش وعسر أيضا ، حتى أن النبيّ (ص) كان في ضيق معاش في بدء الدعوة. والحاصل ان أهل الصفّة كانوا ذوي جلال وشأن ولا يليق بمقامهم السامي الإلحاح في طلب الصدقة ، بل لم يسألوها مطلقا .. وقد كرّر سبحانه قوله : (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) ترغيبا في الإنفاق ، ودلالة على انه محفوظ مكتوب ، معلوم عنده جلّ وعلا ، سواء أكان إنفاقا علينا أن سرّيا ، ومعلوم بإجماله وتفصيله ، وكونه فرضا أو نفلا ، وكما وكيفا .. وننبّه إلى أنه لا بد من الفحص التامّ لتحصيل مصارف الصدقة لتقع في يد أهلها. ولننال عليها الجزاء الأوفى.
٢٧٤ ـ (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ) ... يبيّن الله سبحانه في هذه الآية الكريمة أوقات الإنفاق وأشكاله ، وثوابه العظيم. فالمنفقون لأموالهم (بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ) وفي أي وقت منهما بلا تعيين وقت أفضل من وقت ، بل حين يشاءون (سِرًّا وَعَلانِيَةً) جهارا أمام الناس ، أو خفية عنهم ، يعطون على الدوام (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ولا يخفى أنّ إبهام الأجر كمّا وكيفا دليل على عظمه وعدم تحديده ، أي : فلهم أيّ أجر وأي مقدار!. لذلك (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) فلا خشية عليهم يوم القيامة ولا يردن ما يكرهون. فهنيئا ثم هنيئا لمن وفّقه الله لمثل هذا العمل العظيم ونوال هدا
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
