والعبادة. وكانوا يستخرجون في كل سريّة يبعثها رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فيخرجون إليها مسرعين إجابة لدعوته (ص) اشتياقا لنصرة كلمة التوحيد وإعلاء الدعوة إليها وتشييد أركان الإسلام، جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء ، ونوّر الله مضاجعهم بأنوار رحمته .. والحاصل أنه تعالى عقّب على أمور الإنفاق ببيان أفضل الفقراء الذين هم مصداق مواضع الصدقات ، ثم وصفهم جلّ وعلا بقوله : (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) فجاهل حالهم يظنّ أنهم أغنياء بسبب تعففهم وإبائهم السؤال وطلب الصدقة ، لأن السؤال يكشف عن الحال ، ويبيّن فقر السائل ، إذ قد يغلب الفقر ملكة العفّة أحيانا فيلجأ المحتاج إلى السؤال. ولكن ملكة العفّة قد تكون راسخة عند بعض المعوزين فيأنفون من السؤال ، وإن كنت يا محمد ، ويا أيها الإنسان (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ) أي بالعلائم التي فيهم ، فإنها تكون دالّة على فقرهم لكل ناظر لبيب. وذلك كرثاثة الحال ، وصفرة الوجه والهزال ، والخجل من الظهور في المناسبات الاجتماعية ، وغير ذلك مما يساعد على التعريف بحالهم وهم (لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) أي عفة وسترا لفقرهم ، وحفظا لماء وجههم ، وصيانة لشرفهم الذي اكتسبوه ممّا في الإسلام من مكارم الأخلاق وتعزيز حال المؤمن الذي يعتنقه. ويقال : لحف الثوب ، أي : لبسه صيانة لبدنه ، ولحفه : غطاه باللحاف ونحوه : لحف القمر أي : محق وامتحق تحت شعاع الشمس بحيث يختفي عن الأنظار ولا يرى. وقد يجيء الالتحاف بمعنى الإلحاح : يعني أن هؤلاء الفقراء لا يلحّون في السؤال ، ويطلبون الصدقة مكرّرا. أي لا يسألون سؤال إلحاح بحيث يلازمون الأغنياء ويشكون لهم سوء حالهم. ولكن هذا المعنى لا يليق بالمقام لأن المعنى المفهوميّ يخالف قوله سبحانه في صدر الآية : تعرفهم بسيماهم. فإنهم إذا سألوا الأغنياء وطلبوا الصدقة بأدنى مراتب الطلب ، لا يصحّ أن يعرفوا بسيماهم بل السؤال يكشف عن حالهم. أما هؤلاء فيعرفون بالسيماء وهم متعفّفون ، ويغطّون حاجتهم بالسكوت عن كشف حالهم أنفة وتعفّفا .. وهذا الذي قلناه هو ما اختاره
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
