هنا البيوت التي بها قوام القرية ، أو الحيطان التي بها قوام البيوت. فالقدس حين مرّ عليها عزير كانت سقوف بيوتها مطبقة على أرضها ، وحيطانها مهدّمة. والخاوية بمعنى الخالية على ما في الصحاح والقاموس. فيقال : خوت الدار ، أي خلت من أهلها فالمعنى : أن القرية كانت خالية من إسكان ، وكانت سقوفها وحيطانها مهدّمة على أركانها التي تقوم عليها ، فمرّ بها عزير و (قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها) وأنّى : ظرف ، أي : متى. أو حال ، بمعنى : كيف. وعلى التقديرين هو تعجّب وإقرار بالعجز عن معرفة كيفية الإحياء بعد تناثر اللحم وبلاء الأعظم وتفرّقها ، وبعد أن صارت العروق والأعصاب ترابا ، وبعد أن بعثرت العوامل الطبيعيّة من ريح وشمس ومطر وهواء أكثر الأجزاء من كل جسم. ولذا تعجّب من البعث والإحياء ، أو يمكن أن يكون قد استعظم النشور في سانحة من سوانح تفكيره ، واشتاق الى ان يعاين إحياء الموتى ليرى كيفية بعثهم للمزيد من الاستبصار ولإزالة ما يخطر في البال ، فيطمئنّ بذلك قلبه .. ومنّ الله عليه بجلاء هذا العجب (فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ) ولبث طيلة هذه المدة ميتا (ثُمَّ بَعَثَهُ) فأحياه.
وظاهر الآية المباركة ، وما يتبادر الى الذهن من لفظ الإماتة ، هو المعنى الحقيقي للموت. اي إزهاق النفس ، وإخراجها من الجسم. وكذا ظاهر الروايات الواردة في المقام عن أمير المؤمنين والصادق عليهماالسلام. فكلّها ظاهرة وصريحة في تحقّق الموت بمعناه المعروف : كقبض الروح ، وفناء البدن ، وتفكّك أوصاله وتناثر لحمه وعظامه. وإنه سبحانه ـ بعد المائة عام ـ قد جمعها وكسا العظام لحما وأعاده إلى الحياة. ولكن مفسّرا مصريا اعتبر الإماتة هنا فقدانا للحس والإدراك كالسّبات والنوم العميق ، لا مفارقة الروح للبدن. ولا ندري لأي شيء أسند رأية ولا كيف استفاد هذا المعنى واخترع هذا التأويل للّفظ الفصيح الصريح ... ولا نعلم ماذا يقول في قوله عزّ وعلا : (ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ)؟ .. فنعوذ بالله من التفسير بالرأي من الذين لا يخامرهم خوف من الله حين يتقوّلون في معاني
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
