الحجب ، وتزول الأغطية ، فيرى الأشياء على ما هي عليه بحقائقها وبواطنها وكما يرى ظواهرها سواء بسواء ، فيصل إلى هذا المقام الجليل المسمّى بحق اليقين. وكم من العباد وفّقوا لإدراك هذه المرتبة من اليقين كالشابّ الأنصاريّ الذي سئل : كيف أصبحت؟ قال : على يقين إلى آخر قصته .. وكالبشر الحافي ، ونظائرهما كثيرون في الأمم السابقة والحاضرة. وقد قال بعض الزهّاد : الطّرق إلى الله كثيرة ، والهداية من الله موجودة حاصلة. لكنّ الذي يقدر أن يجد الطريق ويهتدي به إليه سبحانه ، ويثبت ويتمكّن أن يكون في الطريق قليل قليل ..
٥ ـ (أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) : قوله : أولئك ، إشارة إلى الصّنفين من المؤمنين ، أو القسمين المذكورين آنفا في عطف الآيات السابقة. وكلمة (عَلى) في هذه الآية للاستعلاء ، ومعناه تشبيه تمسّكهم بالهدى أو ثباتهم عليه باعتلاء الراكب مركوبه وتسلّطه عليه ولصوقه به. فالمؤمنون كذلك ملازمون للهدى لزوم الراكب لمركوبه ولا يفارقونه أبدا بل يمضون على ضوئه. ونكّر (هُدىً) هاهنا للتعظيم ، ووصفه بقوله (مِنْ رَبِّهِمْ) تأكيدا لتعظيمه لأنه ممنوح منه ، وليس هو إلّا اللّطف والتوفيق. (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) تكرير الإشارة لفائدة اختصاصهم وتميّزهم بالمزيّتين عن غيرهم. وإدخال العاطف لاختلاف الجملتين مفهوما خلافا لقوله سبحانه : (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) ، أي ليس ما نحن فيه كهاتين الآيتين ، فإن الثانية منها مقدّرة ومبيّنة للأولى فلا يحسن العطف هاهنا لأنه يعدّ من باب العطف على النفس. نعم لو قلنا بأن الجملة الثانية ـ في ما نحن فيه ـ أيضا بيانيّة للأولى ، فلا بدّ أن نحمل الواو فيها على الاستئناف لا العطف.
* * *
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
