تلك الصفات وهذه. والمراد بما أنزل : هو القرآن ، والشريعة بأسرها (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) من الكتب السماوية الماضية والشرائع السابقة (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) أي يعلمون تمام العلم من غير شك وترديد .. وتقديم الظّرف وتقدّم الضمير وانفصاله تعويض على غيرهم من أهل الكتاب ، وحصر للإيقان بالمؤمنين بمحمّد وبما جاء به ، وبالأنبياء السابقين وكتبهم وشرائعهم. وتحصيل اليقين بالآخرة له طريقان : الأول بإخبار الصادق المصدّق ، والثاني بالمعجزة. ولليقين ثلاث مراتب :
الأولى علم اليقين ، وهو يحصل لسالك طريق الحق من الاستدلال ، أو المكاشفات ، وكشف الشهود ، وإدراك باطنيّ يحصل به اليقين.
والثانية عين اليقين وهي فوق مقام علم اليقين ، لأن علم اليقين قابل للزوال بل سريع الزوال ولو بتشكيك مشكّك أو الإتيان ببرهان أتقن وأدلّ ، ينقض البرهان الأول وهذا بخلاف من أتي ببراهين حصل له منها عين اليقين ، فهذه المرتبة السامية ولو كانت متفرعة إلى حدود تقوم على مقدّمات المقام الأوّل ، إلا أنها بعد وصول السالك إليها ، يصل إدراكه الباطنيّ ، وتوصله رياضته النّفسية ، إلى حدّ لا يؤثّر فيه تشكيك المشكّك ، ولا يختلج بباله من إرابة المريب ريب ، بحيث يصير لو أن أهل الدنيا بأسرهم اجتمعوا على خلاف معلومه ومتيقّنه لا يتأثر بهم ولا يهتم بمخالفتهم له أبدا ، لأنه يرى معلومه كما يرى الشمس في رابعة النهار ، ويمشي على ضوء متيقّنة بكمال الاطمئنان ، ويرى معلومه مجسما عنده مقرّرا لا يرقى إليه شكّ.
والثالثة حق اليقين. وهي أرقى من السابقتين. فالسالك بعد إكمال المرتبة الثانية ، وارتقائه في يقينه بنتيجة رياضاته النفسانية ، يصل إلى مقام يصير فيه بصره حديدا وسمعه شديدا ، فيرى ما لا ترى عيون غيره من الناس ، ويسمع ما لا تسمع آذانهم ، ويدرك ما لا يخطر على قلوب أقرانه ، إذ ترتفع
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
