وينتظره فنزل عليه (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها) أي فلنحوّلنّك نحو قبلة تقنع بها لأنك تحبّها وترغب فيها لمصالح دينيّة ووفقا لحكمتنا ومشيئتنا. والآية الشريفة كانت بمثابة بشرى للنبيّ الأعظم بعد طول تقلّب وجهه الكريم في السماء ، فقال له الله تعالى : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) حوّله في صلاتك نحو الكعبة المشرّفة مع سائر مقاديم بدنك. وقد استعمل لفظ الوجه ليكنّي عما هو موسوم في المحاورات العامة والنّطق الرائج بين الناس ، فحين يقال : تواجه الرجلان يكون المقصود أنهما تقابلا كلّ بجميع بدنه لا بالوجه فقط ، وقد اختص الوجه بذلك لأن من يقابل بالوجه لازم مقابلته التفات جميع البدن لصعوبة التحوّل بالوجه وحده. والشطر : هو الجهة والناحية والتّلقاء ، والتعبير به يرمز إلى أنه يكفي قصد الجهة ـ أي لمن هم خارج مكة وبادون عنها ـ بمقابل الحاضرين فيها الذين تكون قبلتهم المسجد بل نفس البيت على ما هو المستفاد من روايات الباب وأقوال العلماء الذين يجيزون للبعيد استقبال الجهة ولو كان خطّ الاتّجاه يخرج في الواقع ونفس الأمر بعض الشيء عن البيت. وسميّ البيت الحرام هكذا ، كما سبق وقلنا ، لأنه محرّم فيه القتال ، وممنوع عن تعرّض الظّلمة ، ولأنه آمن بدعوة بانيه ، خليل الله إبراهيم عليهالسلام.
أما وقت نزول آية التحويل هذه فقد كان ، والنبيّ (ص) يصلّي في مسجد بني سلمة ، وقد صلّى من الظّهر ركعتين ، فأتاه جبرائيل (ع) وأخذ بعضديه وحوّله إلى الكعبة وأنزل عليه الآية من عنده سبحانه فتحوّل الرجال مكان النساء وبالعكس ، فأتمّ الصلاة وسمّي مسجد بني سلمة مسجد القبلتين. والتحويل هذا من علائم نبوّته (ص) عند اليهود وهي معدودة وموعودة عندهم في التوراة لنبيّ آخر الزمان الذي هو خاتم الأنبياء الذي وصف بأنه يصلّي إلى القبلتين. وعلماء اليهود كانوا يحتجّون قبل التحويل بأنه ليس بالنبيّ الموعود لأنه لم يزل يصلّي إلى قبلتهم. فحينما نزلت الآية وتحوّلت
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
