القبلة إلى الكعبة تمّت الحجة عليهم ولم يعودوا يستطيعون القول بأن التحويل جاء من عند نفس الرسول (ص) لا من عند ربّه. ذلك أن هذا التحوّل لو كان من عند غير الله ، فلا داعي لأن يصبر النبيّ هذا الوقت الطويل (١) مع تعيير اليهود للمسلمين بأنهم لا قبلة لهم تخصّهم فاحتاجوا للتوجه إلى قبلة اليهود أولا .. وثانيا أن مقتضى الطبيعة والعادة أن يحوّل القبلة من أول صلاة لو كان التحويل باختياره ، بل لو كان ذلك لحوّلها من أول الصلاة التي تمّ التحوّل فيها حين نزول الآية لا في أثنائها وأثناء الوقوف بين يدي الله تعالى في منتصف الفرض من الصلاة حيث لا يجوز التحوّل بسائر البدن! ألا إن هاتين الكيفيتين تحكمان بأن التحويل بحد ذاته ، وبكيفيته وواقعه ، حجتان على اليهود تدعمان نبوّة محمد (ص) بحكم التوراة التي تنصّ على ذلك وهي بين أيديهم.
فإنه سبحانه بعد أن قال : قد نرى تقلّب وجهك في السماء ، وبعد قوله : (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها) ، خاطب رسوله الكريم بالآية الكريمة وعنى المسلمين معه في مكة ، مختصّا إيّاه بالذّكر لشرفه وعظم شأنه ، وجوابا على رغبته (ص). أما قوله : (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) فقد عمّم التصريح بعموم حكم التحويل لجميع الأمّة وسائر أهل الآفاق ، مشيرا إلى أن ذلك معلوم لدى اليهود والنصارى بقوله : (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) فتحويل القبلة مذكور عندهم ، وهو حق ثابت لديهم من عند الله تعالى ، بل هو علامة منه على صدق أوصافك لأنّك تصلّي إلى القبلتين. فإذا جحدوه وأنكروه فلا يكون ذلك إلا عنادا وظلما ، ولذلك يتوعّدهم عزّ وعلا بقوله : (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) وهو حاضر ناظر لما يفعلونه. وقد قرئ
__________________
(١) صلّى المسلمون متّجهين إلى بيت المقدس ثلاثة عشر شهرا : ستة بمكة ، وسبعة بالمدينة.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
