حصل الإدراك. فإذا انكشف الواقع يحصل التمييز قهرا بين الحق والباطل ، وبين الصالح والطالح والزّين والشّين. فترجع حقيقة التمييز إلى إدراك واقع الشيء ، وإلا فلا يحصل التمييز بين الخبيث والطيب ، والحسن والقبيح ، والمؤمن والكافر. فتبيّن أن بين العلم والتمييز كمال المناسبة ، والتفسير هكذا على ما ينبغي.
هذا والصلاة إلى الكعبة بعد هذا التحوّل كبيرة (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) من الذين دلّهم إلى حكمه وأرشدهم إلى المصلحة في تحويل القبلة ، ووفّقهم لاتّباع الرسول (ص) والتسليم له (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) أيها المطيعون إنه سبحانه لا يبطل تصديقكم وتسليمكم لرسوله بكل ما أمر به ، بل يقبله ويثيبكم عليه بمقتضى لطفه ثوابا وافيا ، ويجعل صلاتكم السابقة إلى القبلة المنسوخة صحيحة مقبولة كالصلاة إلى القبلة الناسخة ، فإيمانكم بالقبلتين ـ السابقة واللّاحقة ـ مصحّح للأعمال. وقد قيل إنه لما تحوّل المسلمون إلى الكعبة وقع جماعة في كيت وكيت فقالوا : كيف بأعمالنا التي قبل التحويل؟. كيف بمن مات قبل ذلك؟. ونحو ذلك من المقالات الكاشفة عن ضعف الإيمان وضعف العقول ، فنزلت الآية تطمينا لهم ولطفا (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ ، رَحِيمٌ) والرأفة أشدّ الرّحمة ، فهو سبحانه رحيم بعباده ، أكّد رأفته الشديدة بلام التأكيد ليكشف عن غاية لطفه بهم.
١٤٤ ـ (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ) ... يؤكّد سبحانه أنه يرى تقلّب : تحوّل وجه رسوله من جهة إلى جهة في الآفاق ، كأنه يترقّب نزول الوحي ، أو يتأمّل في ملكوته ، أو ينتظر أن يحوّله في الصلاة نحو الكعبة التي كانت قبلة أبيه إبراهيم (ع) وأقدم الكعبتين ، وأقرب إلى دعوة العرب للإيمان فإن عدم الرغبة في الصلاة إلى بيت المقدس تكمن في نفوسهم لأنها قبلة اليهود المعاندين للإسلام المكايدين له ، فكأنّ الرسول (ص) كان يرغب في ذلك
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
