على أمة وإنّا على آثارهم لمقتدون. (وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً) أي صلاتهم إلى الكعبة ، فإنها صعبة عليهم ، شاقّة على الذين يخالط إيمانهم الشّرك بدليل ارتداد قوم عن الإسلام استعظاما منهم لترك القبلة الأولى ، وجهلا منهم بحكمة الله جلّ وعلا. وقيل إن المراد بمن انقلب على عقبيه ، هم الذين استقاموا على كفرهم بعد تحويل القبلة. وبالجملة فإن التحويل كان امتحانا صعبا ، لأنّ جماعة من المسلمين ارتدّوا بعد تغيير القبلة بعد أن كانوا يصلّون ويصومون ، فالدار دار امتحان واختبار على كل حال ، فنسأل الله أن يثبّتنا على دينه الذي ارتضى.
وإن قيل : كيف قال سبحانه : (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ ..) إلى قوله : (إِلَّا لِنَعْلَمَ) ، مع أنه تعالى لم يزل عالما بذلك؟ قلنا : إن المراد بالعلم هنا هو معرفة العباد وتفهّمهم. لأن من المعلوم عند كل أحد ـ حتى المشركين ـ أنه تعالى لم يزل عالما بجميع الكائنات ولا يزال كذلك .. وهذا البيان قسم من الدعوة والمقالة الحسنة ومما شاة الخصم حتى لا ينزجر من المخاطبة والتكلم ، بل يمكن أن يؤثّر فيه المقال الليّن فيدخل فيما يدعوه المتكلّم إليه. ولذا قال النبيّ (ص): وإنّا ، أو إيّاكم ، لعلى هدى ، أو في ضلال مبين. وهذه الكيفية من الدعوة هي «التي أحسن» من طرق الجدال ، وهي من تربية الله تعالى لنبيّه (ص). والله جلّ وعلا أولى وأحقّ بأن يراعي في مقام العمل هذه النكتة اللطيفة. ولذلك قال : لنعلم ـ مع سابق علمه ..
وقد يقال : إن المراد بالعلم هنا هو التمييز للعباد فيما بينهم ، لا لزيادة علم الله تعالى فيهم ، كقوله جلّ وعزّ : ليميز الله الخبيث من الطيّب. ووجه تفسير العلم ، ومناسبته ، هو أن العلم إدراك الشيء بحقيقته ، والتمييز بين الأشياء لا يحصل إلا ببيان ما يمتاز به الشيء عما عداه ، أي ببيان حقيقة تستلزم العلم بواقعها من حيث هما ، أو بإدراك حقيقتهما على ما هما عليه بأيّ كيفية
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
