يميتنا مسلمين. وكان ظاهر الخشوع ، غزير الدّمعة ، وكان يعتذر من البكاء ، ويقول : قد كبرت سنّي ، ورقّ عظمي ، فلا أملك عبرتي ، يقول ذلك خوفا من الرياء. وكان الله قد ألبسه رداء جميلا من البهاء ، وحسن الخلقة ، وقبول الصّورة ونور الطّاعة وجلالة العبادة. وكانت له في القلوب منزلة عظيمة يحبّه كلّ أحد ، وإذا رآه ينتفع برؤيته قبل كلامه ، فإذا تكلّم ، كان البهاء والنّور على ألفاظه ، ولا يشبع من مجالسته. ولقد طفت شرقا وغربا ، ورأيت الأئمّة والزّهّاد ، فما رأيت أكمل منه ، ولا أكثر عبادة ، ولا أحسن سمتا ، صحبته قريبا من عشرين سنة ليلا ونهارا ، وتأدّبت به وخدمته ، وقرأت عليه القرآن بجميع رواياته ، وسمعت منه أكثر مرويّاته. وكان ثقة حجّة نبيلا ، علما من أعلام الدّين. سمع منه الحفّاظ : عليّ بن أحمد الزّيديّ ، والقاضي عمر بن عليّ ، وأبو بكر الحازميّ ، وخلق ، ورووا عنه وهو حيّ (١).
وسمعت أبا محمد ابن الأخضر غير مرّة يقول : لم يبق ممّن طلب الحديث وعني به غير عبد الوهّاب بن سكينة. وسمعته يقول : كان شيخنا ابن ناصر يجلس في داره على سرير لطيف ، فكلّ من حضر عنده يجلس تحت سريره كابن شافع والباقداريّ وأمثالهم ، وما رأيته أجلس معه أحدا على سريره إلّا ابن سكينة (٢).
قال ابن النّجّار (٣) : وأنبأنا القاضي يحيى بن القاسم مدرّس النّظاميّة في ذكر مشايخه : أبو أحمد ابن سكينة ، كان عالما عاملا ، دائم التّكرار لكتاب «التّنبيه» في الفقه ، كثير الاشتغال «بالمهذّب» و«الوسيط» في الفقه ، لا يضيّع شيئا من وقته. وكنّا إذا دخلنا عليه يقول : لا تزيدوا على «سلام عليكم» مسألة ، لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام.
__________________
(١) في ذيل تاريخ بغداد ١ / ٣٦١ : «وهو حجّة».
(٢) ذيل تاريخ بغداد ١ / ٣٦٦ ، ٣٦٧.
(٣) في ذيل تاريخ بغداد ١ / ٣٦٧.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٣ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3625_tarikh-alislam-43%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
