وهذا أمر طبيعي ؛ لأنّه إذا كان الدليل العقلي مقابلاً للكتاب والسُنّة ، فلا بُدّ أن لا يكون معتبراً إلّا إذا كان موجباً للقطع ، الذي هو حجّة بذاته ، فلذلك لا يصحّ أن يكون شاملاً للظنون وما لا يصلح للقطع بالحكم من المقدّمات العقلية » (١) .
ومسوّغ الرجوع إلىٰ العقل لاستكشاف الحكم الشرعي لدىٰ هذه الطائفة هو فقدان الدليل علىٰ بعض الأحكام ـ بعد صدوره من الشارع ـ بسبب الحوادث الطبيعيّة أو الاجتماعية التي أدّت إلىٰ تلف وضياع بعض المصادر الحديثيّة المبيّنة لأدلّة الأحكام الشرعية .
وأمّا طريقة هذه الطائفة في اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق العقل بنحو العلم واليقين ، فقد تبلورت في تقسيم « مدركات العقل إلىٰ مستقلّة وغير مستقلّة ، وأرادوا بالمستقلّة ما تفرّد العقل بها دون توسّط بيان شرعي ، ومثّلوا له بإدراك العقل الحسن والقبح ، المستلزم لإدراك حكم الشارع بهما ، وفي مقابلها غير المستقلّة ، وهي التي يعتمد الإدراك فيها علىٰ بيان من الشارع ، كإدراكه وجوب المقدّمة عند الشارع بعد اطّلاعه علىٰ وجوب ذيها لديه ، أو إدراكه نهي الشارع عن الضدّ العام بعد اطّلاعه علىٰ وجوب ضدّه ، إلىٰ ما هنالك ممّا ذكروه من الأمثلة ، وأكثرها موضع نقاش » (٢) .
فطريقة هذه الطائفة في اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق العقل تتحدّد في قاعدتين :
أُولاهما : قاعدة الملازمة بين حكم العقل بحسن شيء أو قبحه ،
__________________
(١) أُصول الفقه ٣ / ١٢٥ .
(٢) الأُصول العامّة للفقه المقارن : ٣٨١ .
![تراثنا العددان [ ٧٩ و ٨٠ ] [ ج ٧٩ ] تراثنا العددان [ 79 و 80 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3603_turathona-79-80%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)