والنبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أعلم بذلك من غيره ، فهو أَوْلىٰ » (١) .
بل ذهب بعضهم إلىٰ أنّ النبيّ مأمورٌ بممارسة القياس ، وأنّ عدم ممارسته للقياس يقدح في عصمته ، واستدلّوا لذلك بقوله تعالىٰ : ( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) (٢) بدعوى أنّه « أعلىٰ الناس بصيرةً وأكثرهم اطّلاعاً علىٰ شرائط القياس ، وما يجب ويجوز فيها ، وذلك إنْ لم يرجّح دخوله في هذا الأمر علىٰ دخول غيره ، فلا أقلّ من المساواة ، فيكون مندرجاً تحت الآية ، فكان مأموراً بالقياس ، فكان فاعلاً له ، وإلّا قدح في عصمته » (٣) .
ولا يخفىٰ ما في هذه الدعاوىٰ من الهبوط بشخصية النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم من مقام النبوّة الشامخ ، والاتّصال الدائم المباشر بالوحي ، ليكون بمنزلة أحد العلماء العاديّين ، فيضطرّ أحياناً لسلوك أساليبهم في معرفة الأحكام ، التي لا تؤدّي عادةً إلّا إلىٰ الظنّ بالحكم الشرعي .
وأمّا الطائفة الثانية :
من الذاهبين إلىٰ جواز الرجوع إلىٰ العقل بوصفه كاشفاً مستقلّاً عن الأحكام الشرعية ، فهي تتمثّل بما ذهب إليه معظم المتأخّرين من علمائنا ، وهم يرون : أنّ « الذي يصلح أن يكون مراداً من الدليل العقلي المقابل للكتاب والسُنّة هو : كلّ حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعي . .
وبعبارة ثانية : هو : كلّ قضيّة عقلية يتوصّل بها إلىٰ العلم القطعي بالحكم الشرعي . وقد صرّح بهذا المعنىٰ جماعة من المحقّقين المتأخّرين .
__________________
(١) التبصرة في أُصول الفقه : ٥٢٢ .
(٢) سورة الحشر ٥٩ : ٢ .
(٣) المحصول في علم الأُصول ٢ / ٤٢٧ ـ ٤٢٨ .
![تراثنا العددان [ ٧٩ و ٨٠ ] [ ج ٧٩ ] تراثنا العددان [ 79 و 80 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3603_turathona-79-80%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)