معاذ بن جبل التي قدّمنا ذِكرها ، وعلمت ما فيها ، وقالوا : « قد أقر النبيّ الاجتهاد بالرأي ، وٱجتهاد الرأي لا بُدّ من ردّه إلىٰ أصل ، وإلّا كان رأياً مرسلاً ، والرأي المرسل غير معتبر ، فانحصر الأمر بالقياس » (١) .
ولا شكَّ في صحّة القياس ومشروعيّته إذا كانت علّة الحكم منصوصاً عليها من قبل الشارع ، كما لو قال : ( حُرِّمت الخمر لإسكارها ) ؛ إذ العُرف يفهم من هذه العبارة : أنّ الحرمة منصبّة في الواقع علىٰ المسكر ، وأنّ الخمر فرد من أفراده ، فيقوم بتعدية الحكم الشرعي لكلّ سائل مسكر وإن لم يُسمَّ خمراً .
« فإذا وردَ نصٌّ من قبل الشارع في بيان علّة الحكم في المقيس عليه ، فإنّه يصحّ الاكتفاء به في تعدية الحكم إلىٰ المقيس بشرطين :
الأوّل : أن نعلمَ بأنّ العلّة المنصوصة تامّة ، يدور معها الحكم أينما دارت .
الثاني : أن نعلم بوجودها في المقيس » (٢) .
ولكنَّ نصَّ الشارع علىٰ علّة الحكم وملاكه حالة نادرة جدّاً ؛ ولأجل ذلك نجد العاملين بالقياس يلجأُون عادة إلىٰ الظنون والاحتمالات العقلية لتشخيص علّة الحكم الثابت في الأصل واستنباطها ، ثمَّ يقومون بتسرية هذا الحكم إلىٰ موضوع آخر يماثل موضوع الأصل في توفّره علىٰ تلك العلّة المستنبطة .
إلّا أنّ هذه الطريقة لا تؤدّي إلىٰ العلم بأنّ العلّة التي افترضوها هي العلّة الحقيقية للحكم ، كما أنّ وجود تشابه وتماثل بين موضوعين في أمر
__________________
(١) أُصول الفقه ٣ / ١٩٣ .
(٢) أُصول الفقه ٣ / ١٨٧ .
![تراثنا العددان [ ٧٩ و ٨٠ ] [ ج ٧٩ ] تراثنا العددان [ 79 و 80 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3603_turathona-79-80%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)