كتب الحديث ـ عدا ما ثبت بالتواتر وبالضرورة من الدين ـ لا طريق للعلم بصدورها واقعاً من النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنّ منهج نقد السند في إثبات صحّة الحديث ، لا يثبت صحّة جميع الروايات ليسوغ العمل بها ونسبة مضامينها إلىٰ الشارع المقدّس ، ومن هنا لا بُدّ من الرجوع إلىٰ العقل لاكتشاف أحكام الموضوعات التي لا دليل صحيحاً عليها .
وأمّا طريقة اكتشاف الحكم الشرعي عقلاً لدىٰ هذه الطائفة ، فهي التي اصطلح عليها بـ : « القياس الفقهي » ، وعُرّف بأنّه : « إثبات حكم في محلّ بعلّةٍ ؛ لثبوته في محلّ آخر بتلك العلّة » (١) ؛ ذلك لأنّ الحكم يدور مدار علّته وملاكه .
وقال ابن حزم : « حَدَثَ القياس في القرن الثاني ، وقال به بعضهم ، وأنكره سائرهم وتبرّأُوا منه .
ومعنىٰ لفظ ( القياس ) الذي اختلفنا فيه هو : أنّهم قالوا : يجب أن يحكم بما لا نصَّ فيه من الدين ، بمثلِ الحكم بما فيه نصّ وفي ما أُجمع عليه من حكم الدين . .
ثمّ اختلفوا ؛ فقال حذّاقهم : لاتّفاقهما في علّة الحكم . وقال بعضهم : لاتّفاقهما في وجهٍ من الشبه » (٢) .
ومن روّاد هذه الطريقة في اكتشاف الحكم الشرعي : أبو حنيفة ، الذي قيل عنه : إنّه « بلغت روايته إلىٰ سبعة عشر حديثاً أو نحوها » (٣) .
ومّما استدلّوا به علىٰ صحّة طريقية القياس : الرواية المرسلة عن
__________________
(١) أُصول الفقه ٣ / ١٨٣ .
(٢) الصادع : ٢٣٨ .
(٣) مقدّمة ابن خلدون : ٤٤٤ .
![تراثنا العددان [ ٧٩ و ٨٠ ] [ ج ٧٩ ] تراثنا العددان [ 79 و 80 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3603_turathona-79-80%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)