المستحسنة وكذلك باقي القوى ، والمدرك بالقوة الوهمية إن كان ذلك ملائما لها كان ذلك هو اللذة كمن يتصور العلية ولو في أمر خسيس ، والمدرك بالقوة العقلية يكون لا شك لذة أيضا.
قالوا : وهذه اللذة أقوى من غيرها ، لأن نسبة اللذة الى اللذة كنسبة الإدراك إلى الإدراك والمدرك الى المدرك ، ولما كان المدرك بالقوة الجسمانية إنما هو الأمور الظاهرة كالسطوح والألوان ، والمدرك بالقوة العقلية هو حقائق الأشياء وتفاصيلها وتميز بعضها من بعض كالاجناس من الفصول ، كان هذا الإدراك أقوى من ذلك.
وأيضا فمدرك القوة العقلية هو واجب الوجود تعالى وغيره من الأمور الباقية والطبائع الدائمة بخلاف مدرك القوة الجسمانية ، فمدرك الأولى أشرف ، فاللذة فيه أتم ، وكذلك الألم العقلي يكون أشد من الألم الجسماني.
مسألة : قالوا : العقاب للنفس على خطيئتها هو كالمرض للبدن على نهمته (١) ، وهذا النوع من العقاب إنما يحصل للنفس بسبب ملكاتها الردية الراسخة فيها.
وأما العقاب البدني فلا يتنكر (٢) وجوده ، فإن التخويف في مبادي الأفعال الإنسانية حسن لنفعه في أكثر الأشخاص ، والإيفاء بذلك التخويف بتعذيب العاصي تاكيد للتخويف ومقتض لازدياد النفع ، فهو أيضا حسن ، وهذا العقاب انما هو شيء بالقياس الى ذلك المعذب وإن كان نافعا في حق أكثر أشخاص النوع ، ولا يلتفت الى الجزئي كما لا يلتفت الى الجزء فيقطع العضو ليسلم البدن.
قيل : على هذا ، القول بالقدر ينافي هذين العذرين.
__________________
(١) ب : نهمه. قال ابن فارس : النهم والنهامة : افراط الشهوة في الطعام وان لا تمتلئ عين الآكل ولا تشبع (لسان العرب ج ١٢ ص ٥٩٣.
(٢) الف : يستنكر.
