البحث الثامن
في أنه تعالى مدرك
قد بينا فيما سلف من كتابنا أن السمع والبصر لا يتوقفان على الانطباع والشعاع ولا على تموّج الهواء الواصل الى سطح الصماخ ، خلافا للأوائل ، وإن توقف شاهدا فجاز أن يكون في الغائب غير مشروط بهما وكذلك في بقية الحواس.
وإذا لم يتوقف على ذلك لم يكن في العقل مانع من وصف الباري تعالى بالإدراك ، والقرآن وارد بوصفه به ، فيجب المصير إليه حتى يأتي دليل عقلي يمنع من إجرائه عليه تعالى ، فيجب التأويل ، والخصم إذن في مقام التوقف من دون الدليل ، والأوائل لما اشرطوا (١) في الإدراك الآلات مطلقا وكانت ممتنعة في حقه تعالى نفوا الإدراك عنه.
والأشاعرة قد احتجوا بدليل عقلي على ذلك (٢) ، فقالوا : الباري تعالى حيّ وكل حيّ يصح وصفه بالإدراك وكل من يصح وصفه به فإنه يجب اتصافه به أو بضده ، وضده العمى والصم وعدم الشم الى غير ذلك وهي نقائص في حق الله تعالى ، فيجب وصفه بالضد.
وهذا الدليل مدخول من وجوه :
أحدها : لا نسلم أن كل حي فإنه يصح وصفه بالسمع والبصر ، والقياس على الشاهد لا يقتضي (٣) اليقين على ما أوضحناه في كتبنا المنطقية.
الثاني : ان في الشاهد كل حي ، فإنه يوصف باللذة أو بضدها أعني الألم ،
__________________
(١) ج : اشترطوا.
(٢) اطلب هذا الدليل بالتفصيل من : المواقف ص ٢٩٢ ، وشرحه ج ٨ ص ٨٧.
(٣) ب : لا يفيد.
