فيجب في الغائب كذلك مع اعترافكم ببطلانه.
الثالث : لم قلتم إن كل حي إذا لم يوصف بما يصح اتصافه به وجب اتصافه بضده؟ فإن الهواء خال عن الألوان والطعوم ، اللهم إلا إذا جعلوا الضد عبارة عن عدم الصفة ، فحينئذ يجب عليهم بيان استحالة اتصافه تعالى بعدم السمع والبصر الذي هو المطلوب.
الرابع : سلمنا أن كل حي إذا لم يتصف بالصفة الصحيحة فإنه يتصف بضدها الوجودي ، لكن على تقدير وجود ضد لتلك الصفة ، فلم قلتم إن مقابلة السمع والبصر للصمم (١) والعمى تقابل الضدية. وجماعة من العقلاء يجعلون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة.
الخامس : لم قلتم أن النقائص على الله تعالى محال؟ فإن عوّلتم في ذلك على الدليل العقلي فأبرزوه ، وإن عولتم على الإجماع الذي دلالته مستفادة من السمع فالتزموا في إثبات المطلوب بالسمع من غير أن تدخلوا في مثل هذه الظلمات.
مسألة : مذهب أبي هاشم وأصحابه أن معنى كونه مدركا أنه لا يستحيل أن يدرك المدرك إذا وجدوا لذلك يوصف الله تعالى في الأزل بأنه سميع بصير وجعل الإدراك أمرا زائدا على العلم ، والبغداديون فسروه بأنه تعالى عالم بما يسمعه الأحياء منا وما يبصره ونفوا الزائد على ذلك.
واحتج الأولون بأن الواحد منا إدراكه زائد على علمه ، وقد سلف ، فيجب أن يكون الباري كذلك ، لأن المقتضي لكون الإدراك فينا زائدا على العلم موجود لله تعالى.
بيانه إن الإدراك يتوقف على كون المدرك حيا ، وعلى صحة حواسه ، وعلى ارتفاع الموانع وعلى انتفاء الآفات ، وعلى وجود المدرك ، ثم يجعلون العلة في
__________________
(١) ب : الصمم.
