تبدّل الأمور والأحوال دورانه ، واستوفى أكثر الكفاة في الدّولة أعمارهم ، وانقرض من الصّدور بقايا آثارهم. واحتاجت المملكة إلى من يلمّ شعثها ، وينفي خبثها ، ويحلّ صدر الوزارة مستحقّها ، ويرجحن بالظّلم جانب النّصفة وشتّها ، فاقتضى الرأي المصيب الاستضاءة في الملك بنور رأيه ، فصار الأمر عليه فرض عين ، ووقع الاختيار عليه من البين. والتزم قصر اليد عن الرّشاء والتّحف ، وإحياء رسوم العدل والإنصاف.
وهو الآن على المسيرة الّتي التزمها يستفرغ في مناقبة أهل العلم أكثر أوقاته ، صرف الله عنه بوائق الدّهر وآفاته.
وذكر الكثير من هذا.
ـ حرف العين ـ
١٧٠ ـ عبد الملك الطّبريّ (١).
الزّاهد ، شيخ الحرم في زمانه.
ذكره ابن السّمعانيّ في «ذيله» فقال : كان أحد المشهورين بالزّهد والورع :اقام بمكّة قريبا من أربعين سنة على الجهد والاجتهاد وفي العبادة ، والرّياضة ، وقهر النّفس. وكان ابتداء أمره أنّه كان يتفقّه في المدرسة ، فلاح له شيء فخرج على التّجريد إلى مكّة ، وأقام بها. وكان يلبس الخشن ، ويأكل الخشب ، ويزجي وقته على ذلك صابرا. سمعت أبا الأسعد هبة الرحمن القشيريّ يقول : لمّا كنت بمكّة أردت زيارته فأتيته فوجدته محموما منطرحا ، فتكلّف وجلس ، وقال : أنا إذا حممت أفرح بذلك ، لأنّ النّفس تشتغل بالحمّى ، فلا تشغلني عمّا أنا فيه ، وأخلو بقلبي كما أريد.
وقال الحسين الزّغنديّ : رأيت حوضا يقال له عنبر ، والماء في أسفله ، بحيث لا تصل إليه اليد ، فرأيت غير مرّة أنّ الشّيخ عبد الملك توضّأ منه ، وارتفع الماء إلى أن وصل إليه ، ثمّ غار الماء ، ونزل بعد فراغه.
__________________
(١) ذكره ابن السمعاني في (المذيل على الأنساب).
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٣٦ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3581_tarikh-alislam-36%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
