وقال أبو عمرو (١) بن الصّلاح : فصل [لبيان أشياء مهمّة] (٢) أنكرت على الغزّاليّ في مصنّفاته ، ولم يرتضها أهل مذهبه وغيرهم من الشّذوذ في تصرّفاته ، منها قوله في المنطق : (٣) هو مقدّمة العلوم كلّها ، ومن لا يحيط به ، فلا ثقة له بمعلومه (٤) أصلا ، وهذا مردود ، فكلّ صحيح الذّهن منطقيّ بالطّبع ، وكيف غفل الشّيخ أبو حامد حال مشايخه من الأئمّة ، وما رفعوا بالمنطق رأسا (٥).
__________________
(١) في الأصل : «أبو عمر».
(٢) في الأصل بياض. والمستدرك من (طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح ١ / ٢٥٢).
(٣) عند ابن الصلاح : «قوله في مقدّمة المنطق في أول «المستصفى».
(٤) عند ابن الصلاح : «بعلومه».
(٥) قال ابن الصلاح : سمعت الشيخ عماد الدين ابن يونس يحكي عن يوسف الدمشقيّ مدرّس نظامية بغداد ـ وكان من النّظّار المعروفين ـ أنه كان ينكر هذا الكلام ويقول : فأبو بكر وعمر وفلان وفلان ـ يعني أن أولئك السادة ـ عظمت حظوظهم من البلج واليقين ، ولم يحيطوا بهذه المقدّمة وأشباهها.
قال ابن الصلاح : تذكّرت بهذا ما حكى صاحب كتاب «الإمتاع والمؤانسة» أنّ الوزير ابن الفرات احتفل مجلسه ببغداد بأصناف من الفضلاء من المتكلّمين وغيرهم ، وفيهم الأشعري رحمة الله عليه ، وفي المجلس متّى الفيلسوف النصراني ، فقال الوزير : أريد أن ينتدب منكم إنسان لمناظرة متّى في قوله : إنه لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل ، والحجّة من الشبهة ، والشكّ من اليقين ، إلّا بما حويناه من المنطق ، واستفدناه من واضعه على مراتبه ، فانتدب له أبو سعيد السيرافي ، وكان فاضلا في علوم غير النحو ، فكلّمه في ذلك حتى أفحمه وفضحه ، وليس هذا موضع التطويل بذكره. وغير خاف استغناء العلماء والعقلاء ـ قبل واضع المنطق أرسطاطاليس وبعده ـ ومعارفهم الجمّة عن تعلّم المنطق ، وإنما المنطق عندهم ـ بزعمهم ـ آلة صناعية تعصم الذهن من الخطأ ، وكلّ ذي ذهن صحيح منطقيّ بالطبع ، فكيف غفل الغزالي عن حال شيخه إمام الحرمين فمن قبله من كل إمام هو له مقدّم ، ولمحلّه في تحقيق الحقائق رافع له ومعظّم ، ثم لم يرفع أحد منهم بالمنطق رأسا ، ولا بنى عليه في شيء من تصرّفاته أسّا ، ولقد أتى بخلطه المنطق بأصول الفقه بدعة عظم شؤمها على المتفقّهة حتى كثر بعد ذلك فيهم المتفلسفة ، والله المستعان.
وقد علّق الشيخ عبد القادر بدران على هامش أصل طبقات ابن الصلاح بقول :
«أقول : قول حجّة الإسلام : ومن لا يحيط بها ، أي علما ، سواء كان ذلك بالطبع أو بالتعليم ، وهذا نظير قول النحويّ وصاحب علم المعاني فيمن لا فقه له في هذه العلوم ، لا ثقة بما فهمه ، وأبو بكر وعمر رضياللهعنهما من أعلم الناس بالنحو والمعاني طبعا وسليقة ، وكذلك كانت قواعد المنطق مركوزة في طباعهم ولو لم يعبّروا عنها بالقواعد المشهورة ، كما أنهم ما كانوا يعبّرون عن النحو والمعاني بالعبارات المدوّنة اليوم ، ألا ترى إلى قوله تعالى : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) ، وما فيه من البلاغة بحيث لو اجتمع علماء المنطق بأجمعهم لم=
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٣٥ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3580_tarikh-alislam-35%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
