وحمله على الإعراض عمّا سواه ، حتّى سهل ذلك عليه. وهكذا إلى أن ارتاض كلّ الرياضة ، وظهرت له الحقائق ، وصار ما كنّا نظن به ناموسا وتخلّقا ، طبعا وتحقّقا. وأنّ ذلك أثر السّعادة المقدّرة له من الله تعالى.
ثمّ سألناه عن كيفيّة رغبته في الخروج من بيته ، والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور. فقال معتذرا : ما كنت أجوّز في ديني أن أقف عن الدّعوة ، ومنفعة الطّالبين ، وقد خفّ عليّ أن أبوح بالحقّ ، وأنطق به ، وأدعو إليه. وكان صادقا في ذلك (١).
فلمّا خفّ أمر الوزير ، وعلم أنّ وقوفه على ما كان فيه ظهور وحشة وخيال طلب جاه وحشمة ، ترك ذلك قبل أن يترك ، وعاد إلى بيته ، واتّخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم ، وخانقاه للصّوفيّة ، ووزّع أوقاته على وظائف الحاضرين ، من ختم القرآن ، ومجالسته أصحاب القلوب ، والقعود للتّدريس لطالبه ، إلى أن توفّاه الله بعد مقاساة أنواع من القصد ، والمناوأة من الخصوم ، والسّاعين به إلى الملوك ، وكفاية الله إيّاه ، وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدي النّكبات ، أو ينتهك ستر دينه بشيء من الزّلّات (٢).
وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب حديث المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومجالسة أهله ، ومطالعة «الصّحيحين». ولو عاش لسبق الكلّ في ذلك الفنّ بيسير من الأيّام. ولم يتّفق له أن يروي ، ولم يعقب إلّا البنات.
وكان له من الأسباب إرثا وكسبا ما يقوم بكفايته ، وقد عرضت عليه أموال فما قبلها (٣).
وممّا كان يعترض به عليه ، وقوع خلل من جهة النّحو يقع في أثناء كلامه ، وروجع فيه ، فأنصف من نفسه ، واعترف بأنّه ما مارسه ، واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه ، مع أنّه كان يؤلّف الخطب ، ويشرح الكتب بالعبارة الّتي يعجز الأدباء والفقهاء عن أمثالها.
__________________
(١) طبقات ابن الصلاح ١ / ٢٦٢ ، تبيين كذب المفتري ٢٩٤ ، ٢٩٥.
(٢) انظر : طبقات ابن الصلاح ١ / ٢٦٣ ، وتبيين كذب المفتري ٢٩٥ ، ٢٩٦.
(٣) تبيين كذب المفتري ٢٩٦.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٣٥ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3580_tarikh-alislam-35%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
