وممّا نقم عليه أيضا ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسيّة في كتاب «كيمياء السّعادة والعلوم» ، وشرح بعض الصّور والمسائل ، بحيث لا يوافق مراسم الشّرع ، وظواهر ما عليه قواعد الإسلام.
وكان الأولى به ، والحقّ أحقّ ما يقال ، ترك ذلك التّصنيف ، والإعراض عن الشّرح له (١) ، فإنّ العوام ربّما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج ، فإذا سمعوا أشياء من ذلك تخيّلوا منه ما هو المضرّ بعقائدهم ، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل على أنّ المنصف اللّبيب إذا رجع إلى نفسه ، علم أنّ أكثر ما ذكره ممّا رمز إليه إشارات الشّرع ، وإن لم يبح به. ويوجد أمثاله في كلام مشايخ الطّريقة مرموزة ، ومصرّحا بها ، متفرّقة. وليس لفظ منه إلّا وكما يشعر أحد وجوهه بكلام موهوم ، فإنّه يشعر بسائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملة ، فلا يجب إذا حمله إلّا على ما يوافق ، ولا ينبغي أن يتعلّق به في الرّدّ عليه متعلّق ، إذا أمكنه أن يبيّن له وجها. وكان الأولى به أن يترك الإفصاح بذلك كما تقدّم.
وقد سمعت أنّه سمع من «سنن أبي داود» ، عن القاضي أبي الفتح الحاكميّ الطّوسيّ.
وسمع من أبي عبد الله محمد بن أحمد الخواريّ ، مع ابنيه الشّيخين : عبد الجبّار ، وعبد الحميد ، كتاب «المولد» لابن أبي عاصم ، عن أبي بكر أحمد بن محمود بن الحارث ، عن أبي الشّيخ ، عنه (٢).
قلت : ما نقم عبد الغافر على أبي حامد من تلك الألفاظ الّتي في «كيمياء السّعادة» فلأبي حامد أمثاله في بعض تواليفه ، حتّى قال فيه ، أظنّه تلميذه ابن العربيّ : بلع شيخنا أبو حامد الفلاسفة ، وأراد أن يتقيّأهم فما استطاع. رأيت غير واحد من الأئمّة يقولون ، إنّه ردّ على الفلاسفة في مواضع ، ووافقهم عليها في بعض تواليفه ، ووقع في شكوك ، نسأل الله السّلامة واليقين ، ولكنّه مثال حسن القصد.
__________________
(١) المنتخب من السياق ٧٤.
(٢) المنتخب من السياق ٧٤ وفيه : «وتمام الكتاب في جزءين مسموع له».
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٣٥ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3580_tarikh-alislam-35%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
