له بأن يدرّس بالمدرسة النّظاميّة ، فلم يجد بدّا من ذلك.
قال هذا كلّه وأكثر منه عبد الغافر بن إسماعيل في «تاريخه» (١). ثمّ قال : ولقد زرته مرارا ، وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته في سالف الزّمان عليه من الزّعارة (٢) ، وإيحاش النّاس ، والنّظر إليهم بعين الازدراء ، والاستخفاف بهم كبرا وخيلاء واغترارا (٣) بما رزق من البسطة في النّطق ، والخاطر ، والعبارة ، وطلب الجاه ، والعلوّ في المنزلة أنّه صار على الضّدّ ، وتصفّى من تلك الكدورات. وكنت أظنّ أنّه متلفّع بجلباب التّكلّف ، متنمّس بما صار إليه ، فتحقّقت بعد السّبر والتّنقير أنّ الأمر على خلاف المظنون ، وأنّ الرجل أفاق بعد الجنون.
وحكى لنا في ليال كيفيّة أحواله ، من ابتداء ما ظهر له بطريق التّألّه ، وغلبة الحال عليه ، بعد تبحّره في العلوم ، واستطالته على الكلّ بكلامه ، والاستعداد الّذي خصّه الله به في تحصيل أنواع العلوم ، وتمكّنه من البحث والنّظر ، حتّى تبرّم بالاشتغال بالعلوم العريّة عن المعاملة ، وتفكّر في العاقبة ، وما ينفع في الآخرة ، فابتدأ بصحبة أبي عليّ الفارمذيّ (٤) ، فأخذ منه استفتاح الطّريقة ، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات ، والإمعان في النّوافل ، واستدامة الأذكار والاجتهاد والجدّ ، طلبا للنّجاة ، إلى أن جاز تلك العقاب ، وتكلّف تلك المشاقّ ، وما حصل على ما كان يرومه.
ثمّ حكى أنّه راجع العلوم ، وخاض في الفنون ، وعاود الجدّ في العلوم الدّقيقة ، والتقى بأربابها ، حتّى تفتّحت له أبوابها ، وبقي مدّة في الوقائع ، وتكافؤ الآداب ، وأطراف المسائل.
ثمّ حكى أنّه فتح عليه باب من الخوف ، بحيث شغله عن كلّ شيء ،
__________________
(١) انظر طبقات ابن الصلاح ١ / ٢٦٠ ـ ٢٦٢ ، وتبيين كذب المفتري ٢٩١ ـ ٢٩٤.
(٢) الزّعارة : الشراسة وسوء الخلق.
(٣) في سير أعلام النبلاء ١٩ / ٣٢٤ : «واعتزازا».
(٤) الفارمذيّ : بسكون الراء وفتح الميم. نسبة إلى فارمذ. قرية من قرى طوس. وأبو علي الفارمذي هو : الفضل بن محمد بن علي ، لسان خراسان وشيخها. توفي سنة ٤٧٧ ه ـ. وقد تقدّمت ترجمته في الطبقة الثامنة والأربعين.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٣٥ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3580_tarikh-alislam-35%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
