عن مدّة قريبة ، وصار انظر أهل زمانه ، وواحد أقرانه ، وأعاد للطّلبة ، وأخذ في التّصنيف والتّعليق.
وكان الإمام أبو المعالي مع علوّ درجته وفرط ذكائه ، لا يطيب له تصدّيه للتّصنيف ، وإن كان في الظّاهر مبتهجا به (١).
ثمّ إنّ أبا حامد خرج إلى المعسكر ، فأقبل عليه نظام الملك ، وناظر الأقران بحضرته ، فظهر اسمه ، وشاع أمره ، فولّاه النّظّام تدريس مدرسته ببغداد ، ورسم له بالمصير إليها ، فقدمها ، وأعجب الكلّ مناظرته. وما لقي الرجل مثل نفسه. ثمّ أقبل على علم الأصول ، وصنّف فيها وفي المذهب والخلاف ، وعظمت حشمته ببغداد ، حتّى كانت تغلب حشمة الأمراء والأكابر ، فانقلب الأمر من وجه آخر ، وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدّقيقة ، وممارسة التّصانيف طريق التّزهّد والتّألّه فترك الحشمة ، وطرح الرّتبة ، وتزوّد للمعاد ، وقصد بيت الله ، وحجّ ، ورجع على طريق الشّام ، وزار القدس ، وأقام بدمشق مدّة سنين (٢) ، وصنّف بها «إحياء علوم الدّين» وكتاب «الأربعين» ، و «القسطاس» ، و «محكّ النّظر» ، وغيره ذلك.
وأخذ في مجاهدة النّفس ، وتغيير الأخلاق ، وتهذيب الباطن ، وانقلب شيطان الرّعونة ، وطلب الرئاسة والتّخلّق بالأخلاق الذّميمة ، إلى سكون النّفس ، وكرم الأخلاق ، والفراغ عن الرسوم ، وتزيّا بزيّ الصّالحين.
ثمّ عاد إلى وطنه ، لازما بيته ، مشتغلا بالتّفكير ، ملازما للوقت ، فبقي على ذلك مدّة. وظهرت له التّصانيف. ولم يبد في أيّامه مناقضة لما كان فيه ، ولا اعتراض لأحد على مآثره ، حتّى انتهت نوبة الوزارة إلى فخر الملك ، وقد سمع وتحقّق بمكان أبي حامد وكمال فضله ، فحضره وسمع كلامه ، فطلب منه أن لا تبقى أنفاسه وفوائده عقيمة ، لا استفادة منها ولا اقتباس من أنوارها ، وألحّ عليه كلّ الإلحاح ، وتشدّد في الاقتراح إلى أن أجاب إلى الخروج ، وقدم نيسابور.
وكان اللّيث غائبا عن عرينه ، والأمر خافيا في مستور قضاء الله ومكنونه. ورسم
__________________
(١) انظر : طبقات ابن الصلاح ١ / ٢٦٠.
(٢) في طبقات ابن الصلاح ١ / ٢٦١ : «قريبا من عشر سنين».
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٣٥ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3580_tarikh-alislam-35%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
