ثم دعاه إلى الحنيفية الحقة. قال : (يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا) (١). (قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ) (٢) فلم تقبل حجته القولية. فعدل عليهالسلام عن القول إلى الكسر للأصنام بالفعل (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ) (٣) (قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا) (٤) * (قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) (٥) * فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦) * ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٧) فأفحمهم بالفعل حيث أحال الفعل على كبيرهم كما أفحمهم حيث أحال الفعل منهم. وكل ذلك على طريق الإلزام عليهم ، وإلا فما كان الخليل كاذبا قط.
ثم عدل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل ، وكما أراه الله تعالى الحجة على قومه قال : (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (٨). فأطلعه على ملكوت الكونين والعالمين : تشريفا له على الروحانيات وهياكلها ، وترجيحا لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة ، وتقريرا أن الكمال في الرجال. فأقبل على إبطال مذهب أصحاب الهياكل (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي) (٩) على ميزان إلزامه على أصحاب الأصنام (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) (١٠) وإلا فما كان الخليل عليهالسلام كاذبا في هذا القول ، ولا مشركا في تلك الإشارة.
__________________
(١) سورة مريم : الآية ٤٣.
(٢) سورة مريم : الآية ٤٦.
(٣) سورة الأنبياء : الآية ٥٨.
(٤) سورة الأنبياء : الآية ٥٩.
(٥) سورة الأنبياء : الآية ٦٣.
(٦) سورة الأنبياء : الآية ٦٤.
(٧) سورة الأنبياء : الآية ٦٥.
(٨) سورة الأنعام : الآية ٧٥.
(٩) سورة الأنعام : الآية ٧٦.
(١٠) سورة الأنبياء : الآية ٦٣.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
