ولا بد من سانّ ومعدل. ولا بد من أن يكون بحيث يخاطب الناس ويلزمهم السنة. فلا بد من أن يكون إنسانا. ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم في ذلك فيختلفون ، ويرى كل واحد منهم ما له عدلا ، وما عليه ظلما. فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع الإنسان أشد من الحاجات إلى إنبات الشعر على الأشفار والحاجبين. فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضي أمثال تلك المنافع ، ولا تقتضي هذه التي هي أسها. ولا يجوز أن يكون المبدأ الأول والملائكة بعده يعلم تلك ولا يعلم هذا. ولا أن يكون ما يعلمه في نظام الأمر الممكن وجوده. الضروري حصوله لتمهيد نظام الخير لا يوجد. بل كيف يجوز أن لا يوجد وما هو متعلق بوجوده ومبني على وجوده موجود؟ فلا بد إذن من نبي هو إنسان متميز من بين سائر الناس بآيات تدل على أنها من عند ربه تعالى. يدعوهم إلى التوحيد ، ويمنعهم من الشرك ، ويسن لهم الشرائع والأحكام ، ويحثهم على مكارم الأخلاق ، وينهاهم عن التباغض والتحاسد ، ويرغبهم في الآخرة وثوابها. ويضرب لهم للسعادة والشقاوة أمثالا تسكن إليها نفوسهم. وأما الحق فلا يلوح لهم منه إلا أمرا مجملا ، وهو أن ذلك شيء لا عين رأته ، ولا أذن سمعته. ثم تكريره عليهم العبادات ليحصل لهم بعده تذكر المعبود بالتكرير. والمذكرات إما حركات ، وإما إعدام حركات تفضي إلى حركات. فالحركات كالصلوات وما في معناها. وإعدام الحركات كالصيام ونحوه. وإن لم يكن لهم هذه المذكرات تناسوا جميع ما دعاهم إليه مع انقراض قرن أو قرنين. وينفعهم ذلك أيضا في المعاد منفعة عظيمة. فإن السعادة في الآخرة بتنزيه النفس عن الأخلاق الرديئة والملكات الفاسدة فيتقرر لها بذلك هيئة الانزعاج عن البدن ، وتحصل لها ملكة التسلط عليه فلا تنفعل عنه. وتستفيد منه ملكة الالتفات إلى جهة الحق والإعراض عن الباطل. وتصير شديدة الاستعداد للتخلص إلى السعادة بعد المفارقة البدنية. وهذه الأفعال لو فعلها فاعل ولم يعتقد أنها فريضة من عند الله تعالى ، وكان مع اعتقاده ذلك يلزمه في كل فعل أن يتذكر الله ، ويعرض عن غيره لكان جديرا بأن يفوز من هذا الذكاء بحظ. فكيف إذا استعملها من يعلم أن النبي
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
