تزداد تأثيرا كما تشاهد في المنام. وهذه هي السعادة والشقاوة بالقياس إلى الأنفس الخسيسة ، وأما الأنفس المقدسة فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال وتتصل لكمالها بالذات وتنغمس في اللذة الحقيقية ، ولو كان بقي فيها أثر من ذلك اعتقادي أو خلقي تأذت به وتخلفت عن درجة عليين إلى أن ينفسخ عنها (١).
قال : والدرجة الأعلى فيما ذكرناه لمن له النبوة ، إذ في قواه النفسانية خصائص ثلاث نذكرها في الطبيعيات ، فبها يسمع كلام الله تعالى ، ويرى ملائكته المقربين ، وقد تحوّلت على صور يراها ، وكما أنّ الكائنات ابتدأت من الأشرف فالأشرف حتى ترقت في الصعود إلى العقل الأول ، ونزلت في الانحطاط إلى المادة وهي الأخس. كذلك النفوس ابتدأت من الأخس حتى بلغت النفس الناطقة وترقت إلى درجة النبوة.
ومن المعلوم (٢) أن نوع الإنسان محتاج إلى اجتماع ومشاركة في ضروريات حاجاته مكتفيا بآخر من نوعه ، يكون ذلك الآخر أيضا مكتفيا به. ولا تتم تلك الشركة إلا بمعاملة ومعاوضة يجريان بينهما ، يفرغ كل واحد منهما عن مهم لو تولاه بنفسه لا ازدحم على الواحد كثير. ولا بد في المعاملة من سنة وعدل ،
__________________
(١) لقد تكشف رأي ابن سينا في مسألة البعث والنشور ، فهو يقول بالبعث الروحي ، ولا يقول بالمعاد الجسماني. أما في كتابه «الإشارات» فقد سكت عنه ، وإنه في سكوته لحجة عليه ، أما رأيه في استحالة أن يكون معاد جسماني فيستلزم متعا حسية في جنة عرضها السموات والأرض. وهو يرى أن السعادة والشقاء إنما يلحقان النفس دون الجسد. وقد أجمع المسلمون وأهل الكتاب والبراهمة على إعادة الخلق وجوازها بعد الفناء وإن اختلفوا في التفصيل ، وخالفهم في هذه بعض الفرق ومنها : الدهرية وقوم من الفلاسفة وفرقة من عبدة الأصنام وغيرهم.
(٢) وقد شرع ابن سينا ، في الكلام على إثبات النبوة ، وكيفية دعوة النبي إلى الله تعالى ، والمعاد لما تبين من أن الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنه لا يحسن معيشته لو انفرد وحده شخصا واحدا يتولى تدبير أمره من غير شريك يعاونه على ضرورات حاجاته ، وأنه لا بدّ أن يكون الإنسان مكفيا بآخر من نوعه ، يكون ذلك الآخر أيضا مكفيا به وبنظيره ، فيكون مثلا هذا ينقل إلى ذاك ، وذاك يخبز لهذا ، وهذا يخيط للآخر ، والآخر يتخذ الإبرة لهذا حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
