للسعادة استعدادا ، وكأنه ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم وعلائقه إلا أن يكون قد أكد العلاقة مع ذلك العالم ، فصار له شوق وعشق إلى ما هناك يصده عن الالتفات إلى ما خلفه جملة.
ثم إن النفوس والقوى الساذجة التي لم تكتسب هذا الشوق (١) ولا تصورت هذه التصورات ، فإن كانت بقيت على ساذجيتها واستقرت فيها هيئات صحيحة إقناعية وملكات حسنة خلقية سعدت بحسب ما اكتسبت. أما إذا كان الأمر بالضد من ذلك أو حصلت أوائل الملكة العلمية وحصل لها شوق قد تبع رأيا مكتسبا إلى كمال حالها فصدها عن ذلك عائق مضاد فقد يبقى الشقاء الأبدي. وهؤلاء إما مقصرون في السعي لتحصيل الكمال الإنساني ، وإما معاندون متعصبون لآراء فاسدة مضادة للآراء الحقيقية. والجاحدون أسوأ حالا.
والنفوس البله (٢) أدنى من الخلاص من فطانة بتراء ، لكن النفوس إذا فارقت وقد رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة على مثل ما يخاطب به العامة ، ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التي فوقهم لا كمال فتسعد تلك السعادة ، ولا عدم كمال فتشقى تلك الشقاوة ، بل جميع هيئاتهم النفسانية متوجهة نحو الأسفل ، منجذبة إلى الأجسام ، ولا بد لها من تخيل ، ولا بد للتخيل من أجسام. قال : فلا بد لها من أجرام سماوية تقوم بها القوة المتخيلة. فتشاهد ما قيل لها في الدنيا من أحوال القبر والبعث والخيرات الأخروية ، وتكون الأنفس الرديئة أيضا تشاهد العقاب المصور لهم في الدنيا وتقاسيه. فإن الصور الخيالية ليست تضعف عن الحسية ، بل
__________________
(١) لأن هذا الشوق إنما يحدث حدوثا وينطبع في جوهر النفس إذا تبرهن للقوى النفسانية أن هاهنا أمورا تكتسب العلم بها بالحدود الوسطى ، وأما ما قبل ذلك فلا يكون ، لأن الشوق يتبع رأيا وليس هذا الرأي للنفس أوليا بل رأيا مكتسبا.
(٢) وأما النفوس البله التي لم تكتسب الشوق ، فإنها إذا فارقت البدن وكانت غير مكتسبة للهيئات البدنية الردية صارت إلى سعة من رحمة الله ونوع من الراحة ، وإن كانت مكتسبة للهيئات البدنية الردية ، وليس عندها هيئة غير ذلك ، ولا معنى يضاده وينافيه فتكون لا محالة ممنوعة بشوقها إلى مقتضاها ، فتعذب عذابا شديدا بفقد البدن ومقتضياته.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
