والخلق ملكة تصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم روية. وذلك باستعمال التوسط بين الخلقتين المتضادتين ، لا بأن يفعل أفعال التوسط بل بأن يحصل ملكة التوسط بين الخلقتين المتضادتين ، فيحصل في القوى الحيوانية هيئة الإذعان. وفي القوى الناطقة هيئة الاستعلاء. ومعلوم أن ملكتي الإفراط والتفريط هما من مقتضيات القوى الحيوانية ، فإذا قويت حدثت في النفس الناطقة هيئة إذعانية قد رسخت فيها من شأنها أن تجعلها قوية العلاقة مع البدن ، سديدة الانصراف إليه وأما ملكة التوسط (١) فهي من مقتضيات الناطقة. فإذا قويت قطعت العلاقة من البدن ، فسعدت السعادة الكبرى. ثم للنفوس مراتب في اكتساب هاتين القوتين ، أعني العلمية والعملية والتقصير فيهما. فكم ينبغي أن يحصل عند نفس الإنسان من تصور المعقولات ، والتخلق بالأخلاق الحسنة حتى يجاوز الحد الذي في مثله يقع في الشقاوة الأبدية. وأي تصور وخلق يوجب له الشقاء المؤبد؟ وأي تصور وخلق يوجب له الشقاء المؤقت؟ قال : فليس يمكنني أن أنص عليه إلا بالتقريب ، وليته سكت عنه ، وقد قيل :
|
فدع عنك الكتابة لست منها |
|
ولو سوّدت وجهك بالمداد |
قال : وأظن أن ذلك أن يتصور نفس الإنسان المبادي المفارقة تصورا حقيقيا ، ويصدق بها تصديقا يقينيا لوجودها عنده بالبرهان ، ويعرف العلل الغائية للأمور الواقعة في الحركات الكلية دون الجزئية التي لا تتناهى ، ويتقرر عنده هيئة الكل ونسب أجزائه بعضها إلى بعض ، والنظام الآخذ من المبدأ الأول إلى أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه ، ويتصور العناية وكيفيتها ، ويتحقق أن الذات المتقدمة للكل أي وجود يخصها ، وأية وحدة تخصها ، وأنها كيف تعرف حتى لا يلحقها تكثر وتغير بوجه. وكيف ترتيب نسب الموجودات إليها. وكلما ازداد استبصارا ازداد
__________________
(١) والمراد بملكة التوسط التبرئة عن الهيئات الانقيادية ، وتبقية النفس الناطقة على جبلتها مع إفادة هيئة الاستعلاء والتنزه ، وذلك غير مضاد لجوهرها ولا مائل بها إلى جهة البدن ، بل عن جهة ، فإن المتوسط يسلب عنها الطرفين دائما.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
