يخصها ، وحيثما كان المدرك أشد إدراكا وأفضل ذاتا ، والمدرك أكمل وجودا وأشرف ذاتا وأدوم ثباتا ، فاللذة أبلغ وأوفر.
الأصل الثاني : أنه قد يكون الخروج إلى الفعل في كمال ما ، بحيث يعلم أن المدرك لذيذ ، ولكن لا يتصور كيفيته ولا يشعر به فلم يشتق إليه ، ولم يفزع نحوه فيكون حال المدرك حال الأصم والأعمى الملتذين برطوبة اللحن وملاحة الوجه من غير شعور وتصور وإدراك.
الأصل الثالث : أن الكمال والأمر الملائم قد يتيسر للقوة الدرّاكة. وهناك مانع أو شاغل للنفس فتكرهه وتؤثر ضده. أو تكون القوة ممنوعة بضد ما هو كمالها فلا تحس به كالمريض والمحرور. فإذا زال العائق عاد إلى واجبه في طبعه ، فصدقت شهوته ، واشتهت طبيعته ، وحصل له كمال اللذة.
فنقول بعد تمهيد الأصول : إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل. والنظام المعقول في الكل ، والخير الفائض من واهب الصور على الكل ، مبتدئا من المبدأ ، وسالكا إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة ، ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما بالأبدان ، ثم الأجسام العلوية بهيئاتها وقواها ، ثم تستمر كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله ، فتصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله مشاهدا لما هو الحسن المطلق والخير والبهاء والحق ، ومتحدا به (١) ، ومنتقشا بمثاله ، ومنخرطا في سلكه ، وصائرا من جوهره ؛ وهذا الكمال لا يقاس بسائر الكمالات وجودا ودواما ولذة وسعادة ، بل هذه اللذة أعلى من اللذات الحسية ، وأعلى من الكمالات الجسمانية. بل لا مناسبة بينهما في الشرف والكمال. وهذه السعادة لا تتم له إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس ، وتهذيب الأخلاق.
__________________
(١) وهذا موضع آخر أقر فيه ابن سينا بمعنى الاتحاد.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
