وتسخن ، ولم يكن بد من المصادمات الحادثة أن تصادف النار ثوب فقير ناسك فيحترق. والأمر الدائم والأكثري حصول الخير من النار. فأما الدائم فلأن أنواعا كثيرة لا تستحفظ على الدوام إلا بوجود النار. وأما الأكثر فلأن أكثر الأشخاص والأنواع في كنف السلامة من الاحتراق ؛ فما كان يحسن أن تترك المنافع الأكثرية والدائمة لأعراض شرية أقلية ، فأريدت الخيرات الكائنة عن مثل هذه الأشياء إرادة أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال : إن الله تعالى يريد الأشياء ، ويريد الشر أيضا على الوجه الذي بالعرض. فالخير مقتضى بالذات ، والشر مقتضى بالعرض ، وكل بقدر. والحاصل أن الكل إنما رتبت فيه القوى الفعالة والمنفعلة : السماوية والأرضية ، الطبيعية والنفسانية ، بحيث يؤدي إلى النظام الكلي مع استحالة أن تكون هي على ما هي عليه ولا تؤدي إلى شرور. فيلزم من أحوال العالم بعضها بالقياس إلى بعض أن يحدث في نفس : صورة اعتقاد رديء أو كفر أو شر آخر ، ويحدث في بدن : صورة قبيحة مشوهة ، ولو لم يكن كذلك لم يكن النظام الكلي يثبت. فلم يعبأ ولم يلتفت إلى اللوازم الفاسدة التي تعرض بالضرورة. وقيل : خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي ، وكل ميسر لما خلق له.
المسألة العاشرة : في المعاد ، وإثبات سعادات دائمة للنفوس ، وإشارة إلى النبوة وكيفية الوحي والإلهام.
ولنقدم على الخوض فيها أصولا ثلاثة :
الأصل الأول : أن لكل قوة نفسانية لذة وخيرا يخصها (١) ، وأذى وشرا
__________________
(١) مثاله أن لذة الشهوة وخيرها أن يتأدى إليها كيفية محسوسة ملائمة من الخمسة ولذة الغضب الظفر ولذة الوهم الرجاء ولذة الحفظ تذكر الأمور الموافقة الماضية ، وأذى كل واحد منها ما يضاده ، وتشترك كلها نوعا من الشركة في أن الشعور بموافقها وملائمها هو الخير واللذة الخاصة بها ، والموافق بكل واحد منها بالذات والحقيقة هو حصول الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال بالفعل ، فهذا أصل ، وأيضا فإن هذه القوى وإن اشتركت في هذه المعاني فإن مراتبها في الحقيقة مختلفة. فالذي كماله أتم وأفضل ، والذي كماله أكثر ... الخ.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
