ولا تظن أن واجبي الوجود لا يشتركان في شيء ما ، كيف وهما يشتركان في وجوب الوجود ، ويشتركان في البراءة عن الموضوع. فإن كان واجب الوجود يقال عليهما بالاشتراك ، فكلامنا ليس في معنى منع كثرة اللفظ والاسم ، بل في معنى واحد من معاني ذلك الاسم ؛ وإن كان بالتواطؤ فقد حصل معنى عام عموم لازم أو عموم جنس ، وقد بينا استحالة هذا. وكيف يكون عموم وجوب الوجود لشيئين على سبيل اللوازم التي تعرض من خارج ، واللوازم معلولة؟.
وأما إثبات واجب الوجود فليس يمكن إلا ببرهان «إن» وهو الاستدلال بالممكن على الواجب ، فنقول : كل جملة من حيث إنها جملة سواء كانت متناهية أو غير متناهية إذ كانت مركبة من ممكنات فإنها لا تخلو : إما أن تكون واجبة بذاتها ، أو ممكنة بذاتها. فإن كانت واجبة الوجود بذاتها ، وكل واحد منها ممكن الوجود يكون واجب الوجود يتقوم بممكنات الوجود ، هذا خلف. وإن كانت ممكنة الوجود بذاتها. فالجملة محتاجة في الوجود إلى مفيد للوجود ، فإما أن يكون المفيد خارجا عنها أو داخلا فيها ، فإن كان داخلا فيها فيكون واحد منها واجب الوجود ، وكان كل واحد منهما ممكن الوجود ، هذا خلف. فتعين أن المفيد يجب أن يكون خارجا عنها ، وذلك هو المطلوب.
المسألة السابعة : في أن واجب الوجود عقل ، وعاقل ، ومعقول. وأنه يعقل ذاته والأشياء ، وصفاته الإيجابية والسلبية لا توجب كثرة في ذاته ، وكيفية صدور الأفعال عنه.
قال : العقل يقال على كل مجرد عن المادة. وإذا كان مجردا بذاته عن المادة فهو عقل لذاته ، وواجب الوجود مجرد بذاته عن المادة ، فهو عقل لذاته. وبما يعتبر له أن هويته المجردة لذاته فهو معقول لذاته. وبما يعتبر له أن ذاته له هوية مجردة ، فهو عاقل لذاته. وكونه عاقلا ومعقولا لا يوجب أن يكون اثنين في الذات ، ولا اثنين في الاعتبار. فإنه ليس تحصيل الأمرين إلا أنه له ماهية مجردة ، وأنه ماهية مجردة
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
